المغرب والولايات المتحدة يرسّخان شراكة دفاعية لعقد جديد: من التعاون العسكري إلى التكامل الإستراتيجي

بوشعيب البازي

في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية الدولية، حمل انعقاد الاجتماع الرابع عشر للجنة الاستشارية للدفاع المغربية – الأميركية بواشنطن رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، بعدما كرّس انتقال العلاقات بين الرباط وواشنطن إلى مستوى أكثر عمقا، عنوانه الشراكة الإستراتيجية الممتدة زمنيا والمؤسسة على المصالح المتبادلة والثقة المتراكمة.

وخلال هذا الاجتماع، أجرى الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، مباحثات مع الجنرال دان كين، رئيس أركان الجيش الأميركي، تناولت مختلف أوجه التعاون العسكري بين البلدين، خاصة في مجالات تكوين الأطر، وتبادل الخبرات، وتنسيق المناورات المشتركة الكبرى، وعلى رأسها مناورات “الأسد الأفريقي”، التي أصبحت أحد أبرز التمارين العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الأفريقية.

غير أن أبرز مخرجات هذه الزيارة تمثلت في توقيع خارطة طريق جديدة للتعاون الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة للفترة الممتدة من 2026 إلى 2036، وهي وثيقة تؤشر على دخول العلاقات العسكرية الثنائية مرحلة جديدة أكثر مؤسساتية ووضوحا في الأهداف، بما يعكس رغبة مشتركة في توسيع مجالات التنسيق ورفع نجاعته العملياتية.

تعاون يتجاوز المقاربة التقليدية

البلاغ الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية أكد أن الجانبين بحثا سبل توسيع التعاون ليشمل قطاعات ذات أولوية متزايدة، من قبيل صناعة الدفاع والأمن السيبراني، وهما مجالان باتا يشكلان ركيزة أساسية في العقائد الدفاعية الحديثة، بالنظر إلى تنامي التهديدات غير التقليدية، من هجمات إلكترونية وحروب هجينة إلى تحديات أمن سلاسل الإمداد والتفوق التكنولوجي.

هذا التوجه يعكس وعيا متبادلا بأن الشراكات الدفاعية المعاصرة لم تعد تقاس فقط بحجم المناورات أو صفقات السلاح، بل بقدرة الحلفاء على تطوير منظومات إنتاج مشتركة، وتبادل التكنولوجيا، وتعزيز الاستقلالية الصناعية في المجالات الحساسة.

مفاوضات متقدمة حول منظومات نوعية

وتشير المعطيات المتداولة على هامش الاجتماعات إلى دخول البلدين في مراحل متقدمة من المفاوضات بشأن اقتناء المغرب لمنظومات دفاع جوي من طراز “باتريوت”، إلى جانب مقاتلات “إف-35” الشبحية، وصواريخ انزلاقية متطورة.

وفي حال استكمال هذه الترتيبات، فإن الأمر سيضع المغرب ضمن دائرة ضيقة من الحلفاء الذين يحظون بإمكانية الولوج إلى منظومات تسليح أميركية فائقة الحساسية، وهو ما يعكس مستوى الثقة الذي بلغته العلاقات الثنائية، كما يعزز مكانة المملكة ضمن المعمار الأمني الإقليمي الذي تدعمه واشنطن.

من شريك أمني إلى فاعل إقليمي

ويرى هشام معتضد، الباحث في الشؤون الإستراتيجية والأمن الإقليمي، أن هذا اللقاء يجسد انتقال العلاقات المغربية – الأميركية من منطق الشراكة الثنائية التقليدية إلى مستوى أكثر تقدما من التكامل الوظيفي داخل منظومات الأمن الجماعي التي تقودها الولايات المتحدة.

وأوضح أن المغرب لم يعد مجرد شريك تنفيذي في الملفات الأمنية التقليدية، بل بات فاعلا مساهما في صياغة المعايير الأمنية العابرة للحدود، سواء في مكافحة الإرهاب أو تأمين الفضاء الأطلسي أو دعم الاستقرار الأفريقي.

ويضيف معتضد أن هذا التموضع يراكم رأسمال الثقة الإستراتيجية بين الرباط وواشنطن، ويفتح الباب أمام تقاسم أدوار أكثر وضوحا داخل الفضاء الأمني الأطلسي الموسع.

تحديث متواصل للقدرات العسكرية

التعاون الدفاعي المغربي – الأميركي لم يعد حبرا على ورق، بل تُرجمه برامج تسليح متقدمة. وفي هذا الإطار، عزز المغرب أسطوله من مروحيات “أباتشي AH-64E”، بعد تسلم دفعة ثانية رفعت العدد العملياتي إلى 12 مروحية، بما يدعم قدرات التدخل السريع والإسناد الجوي عالي الدقة.

وتشمل الحزمة المرتبطة بهذا البرنامج صواريخ موجهة من طراز “Hellfire”، وأنظمة “APKWS”، ما يمنح القوات المسلحة الملكية مرونة أكبر في مواجهة التهديدات الناشئة وتوسيع نطاق الردع العملياتي.

البعد الجيوسياسي للشراكة

الزيارة المغربية إلى واشنطن لم تقتصر على الجوانب العسكرية، بل حملت بعدا جيوسياسيا واضحا، من خلال التذكير بالمبادرات الملكية ذات الامتداد الأطلسي والأفريقي، وعلى رأسها مشروع الواجهة الأطلسية الأفريقية، وأنبوب الغاز المغرب – نيجيريا، فضلا عن انخراط المملكة في دعم الاستقرار الإقليمي ومساهمتها المنتظمة في بعثات حفظ السلام بالقارة.

هذا الربط بين الأمن والتنمية يعزز صورة المغرب لدى شركائه الغربيين باعتباره دولة تجمع بين الجاهزية العسكرية والرؤية التنموية، وهي معادلة أصبحت مطلوبة بقوة في بيئة إقليمية مضطربة.

تحالف تاريخي يتجدد

العلاقات المغربية – الأميركية تعد من أقدم العلاقات الدبلوماسية في العالم، غير أن ما يجري اليوم يؤكد أنها ليست مجرد إرث تاريخي، بل تحالف متجدد يتكيف مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

فالمغرب، بفضل استقراره السياسي وموقعه الجغرافي وخبرته الأمنية، يرسخ موقعه كحليف موثوق للولايات المتحدة في شمال أفريقيا والساحل والفضاء الأطلسي، فيما تجد واشنطن في الرباط شريكا قادرا على المساهمة في إنتاج الاستقرار، لا الاكتفاء باستهلاكه.

وبين مناورات مشتركة، وتعاون صناعي، وتكنولوجيا دفاعية متقدمة، تبدو خارطة الطريق الجديدة الممتدة إلى 2036 أكثر من مجرد اتفاق ثنائي؛ إنها إعلان سياسي بأن الرباط وواشنطن قررتا رفع شراكتهما إلى مستوى التحالف العملي طويل الأمد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com