جلسة مجلس الأمن حول الصحراء المغربية: بين إعادة تموقع الأمم المتحدة وتحولات التوازنات الإقليمية
بوشعيب البازي
يعقد مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، جلسة مغلقة جديدة لمناقشة تطورات ملف الصحراء المغربية، في إطار متابعته الدورية لولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، وذلك في سياق دولي وإقليمي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات الأمنية والجيوسياسية داخل المنظومة الأممية، على وقع الأزمات المتسارعة في الشرق الأوسط والخليج ومنطقة الساحل.
القرار الأممي القاضي بتقديم موعد الجلسة من 24 إلى 23 أبريل لا يمكن قراءته فقط من زاوية الترتيب الإجرائي، بل يعكس أيضاً دينامية داخل مجلس الأمن لاحتواء تراكم الملفات الساخنة، ومحاولة الحفاظ على استمرارية معالجة النزاعات المزمنة دون أن تُزاح نهائياً من أجندة الاهتمام الدولي. فالقضايا غير المحسومة، ومنها النزاع الإقليمي حول الصحراء، أصبحت اليوم تُناقش في بيئة استراتيجية مختلفة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الطاقي، ومكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة، واستقرار المجال الأطلسي-المتوسطي.
ومن المرتقب أن تستمع الدول الأعضاء إلى ثلاث إحاطات رئيسية، يقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستيفان دي ميستورا، ورئيس بعثة “المينورسو” ألكسندر إيفانكو، إلى جانب مدير قسم السياسات والوساطة بإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام، آصف خان. وتكتسي هذه الإحاطات أهمية خاصة، لأنها ستوفر قراءة مزدوجة للملف: قراءة سياسية مرتبطة بفرص استئناف المسار التفاوضي، وقراءة ميدانية تتصل بواقع المنطقة وتحديات تنفيذ الولاية الأممية.
منطق الواقعية السياسية يزاحم أطروحات الجمود
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت مقاربة مجلس الأمن نحو تكريس منطق الواقعية السياسية بدل إعادة إنتاج صيغ تفاوضية غير قابلة للتنفيذ. ويتجلى ذلك بوضوح في القرارات الأممية المتعاقبة، وآخرها القرار 2797، الذي أعاد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق.
في هذا السياق، برزت مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 باعتبارها الإطار الأكثر جدية وقابلية للتطبيق، وهو ما تعززه مواقف قوى دولية وازنة باتت تعتبر المقترح المغربي أساساً واقعياً لتسوية النزاع. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً داخل العواصم المؤثرة بأن النزاعات الممتدة لا تُحل بالشعارات، بل بتصورات مؤسساتية قابلة للتنزيل وتحفظ الاستقرار الإقليمي.
الصحراء في قلب الحسابات الأطلسية والإفريقية
لم يعد ملف الصحراء شأناً مغاربياً صرفاً، بل تحول إلى عنصر ضمن هندسة الأمن الإقليمي الممتدة من الساحل إلى الواجهة الأطلسية. فالأقاليم الجنوبية للمملكة أضحت خلال السنوات الأخيرة منصة اقتصادية ولوجستية صاعدة، بفضل مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتطوير الموانئ، وربط العمق الإفريقي بالمجال الأطلسي.
كما أن افتتاح عدد من القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة لا يحمل فقط دلالة دبلوماسية، بل يعكس أيضاً تموقعاً استراتيجياً جديداً لدى عدد من الدول التي ترى في المنطقة بوابة نحو غرب إفريقيا، وفرصة للاندماج في شبكات التجارة والاستثمار والطاقة المتجددة.
وفي المقابل، فإن استمرار حالة الجمود في مخيمات تندوف، وما يرافقها من هشاشة اجتماعية وأمنية، يطرح تحديات متزايدة في محيط إقليمي يعاني أصلاً من تمدد الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود.
مراجعة “المينورسو”: من مراقبة وقف إطلاق النار إلى سؤال الجدوى
الجلسة الثانية المرتقبة يوم 30 أبريل، والمخصصة لعرض نتائج المراجعة الاستراتيجية لولاية بعثة “المينورسو”، قد تشكل محطة مفصلية في مسار الأمم المتحدة بهذا الملف. فالبعثة التي أُنشئت في سياق تاريخي مختلف تجد نفسها اليوم أمام بيئة أمنية وسياسية جديدة، ما يفرض إعادة تقييم أدواتها وأدوارها.
السؤال المطروح داخل الدوائر الأممية لم يعد مرتبطاً فقط بتمديد الولاية السنوية، بل بمدى قدرة البعثة على مواكبة التحولات الميدانية، والمساهمة في خلق شروط تسوية سياسية حقيقية، بدل الاكتفاء بإدارة نزاع منخفض الحدة. ومن ثم، فإن أي مراجعة جادة قد تتجه نحو تعزيز البعد السياسي والوساطي للبعثة، وربط عملها أكثر بمنطق الحل النهائي.
لحظة حسم تدريجي
ما يجري داخل مجلس الأمن يعكس انتقال الملف من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث عن مخرج واقعي. فالمعادلات الدولية تغيرت، والتحالفات يعاد تشكيلها، والفضاء المغاربي لم يعد يحتمل نزاعاً مجمداً يعرقل الاندماج الاقتصادي ويستنزف فرص التنمية.
وبهذا المعنى، فإن جلسة الأربعاء ليست مجرد موعد تقني في رزنامة الأمم المتحدة، بل حلقة جديدة في مسار دولي يتجه تدريجياً نحو ترجيح الحلول الواقعية على حساب الأطروحات الجامدة، وتثبيت الاستقرار باعتباره أولوية استراتيجية في شمال إفريقيا والساحل.