عندما تحجز “الفيفا” مقعداً لصحافي خلف القضبان: دبلوماسية كرة القدم في مواجهة معضلة حرية التعبير في الجزائر
بوشعيب البازي
في عالم السياسة الدولية، اعتادت الدول أن تستعين بالدبلوماسية التقليدية لحل الأزمات: سفراء، بيانات مشتركة، لجان ثنائية، وربما مكالمات هاتفية “صريحة وودية” لا تغيّر في الواقع شيئاً. أما في عالم كرة القدم، فقد يبدو أن الأمور تسير بطريقة مختلفة تماماً. فالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قرر أن يمنح الصحافي الفرنسي كريستوف غليز اعتماداً صحافياً لتغطية نهائيات كأس العالم 2026، رغم أنه يقبع حالياً في أحد السجون الجزائرية، تنفيذاً لحكم قضائي نهائي بالسجن سبع سنوات بتهمة “تمجيد الإرهاب”.
المفارقة هنا ليست في منح اعتماد صحافي لشخص محروم من حرية التنقل فحسب، بل في أن مؤسسة رياضية عالمية، طالما رفعت شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، وجدت نفسها تؤدي دوراً أقرب إلى الدبلوماسية الرمزية، في وقت فضّلت فيه المؤسسات السياسية التقليدية الاكتفاء بعبارات القلق المعتادة.
عشية انطلاق كأس العالم، اختصر رئيس الفيفا جياني إنفانتينو الموقف بجملة تحمل الكثير من الدلالات: “هو ليس معنا، لكن مقعده ينتظره.” عبارة بسيطة ظاهرياً، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن الرياضة العالمية أصبحت فضاءً جديداً للتأثير السياسي والضغط المعنوي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الحريات الأساسية.
من روبورتاج رياضي إلى قضية أمن قومي
بدأت القضية في مايو 2024 عندما كان الصحافي الفرنسي ينجز تحقيقاً صحافياً حول نادي شبيبة القبائل، أحد أكثر الأندية ارتباطاً بالهوية الثقافية لمنطقة القبائل الجزائرية. ووفقاً للسلطات الجزائرية، تواصل غليز خلال عمله الصحافي مع أشخاص يحملون توجهاً انفصالياً، ما أدى إلى متابعته قضائياً بتهمة “تمجيد الإرهاب”.
لاحقاً، أصدرت العدالة الجزائرية حكماً بالسجن سبع سنوات، تم تأكيده استئنافياً، قبل أن يصبح نهائياً بعد انتهاء مسار الطعون القانونية.
من الناحية القانونية البحتة، تؤكد السلطات الجزائرية أنها تعاملت مع القضية وفقاً للتشريعات الوطنية النافذة. غير أن الانتقادات الدولية ركزت على سؤال أكثر تعقيداً: إلى أي مدى يمكن أن يتحول العمل الصحافي الاستقصائي إلى موضوع للملاحقة الجنائية، خاصة عندما يتناول قضايا حساسة مرتبطة بالأمن القومي أو الحركات الانفصالية؟
كرة القدم تدخل ملعب السياسة
لطالما أكدت الفيفا أنها منظمة رياضية لا تتدخل في الشؤون السياسية للدول. لكن الواقع أثبت مراراً أن كرة القدم أصبحت جزءاً من أدوات “القوة الناعمة” في العلاقات الدولية.
فمن المقاطعات الرمزية، إلى حملات التضامن، وصولاً إلى منح اعتماد صحافي لشخص معتقل، باتت البطولات الرياضية الكبرى فضاءات لإعادة إنتاج النقاشات السياسية والحقوقية على نطاق عالمي.
وفي حالة كريستوف غليز، لم يكن منح الاعتماد مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية غير مباشرة مفادها أن قضية الصحافي الفرنسي لن تختفي خلف جدران السجن أو بين أوراق الملفات القضائية.
ويبدو أن الفيفا، دون إعلان ذلك صراحة، قررت أن تترك مقعداً فارغاً في المدرجات ليصبح أكثر حضوراً من آلاف المقاعد الممتلئة.
الجزائر وفرنسا: من التوتر إلى البراغماتية الحذرة
تأتي هذه القضية في سياق معقد يطبع العلاقات الجزائرية الفرنسية، التي تتأرجح باستمرار بين ذاكرة تاريخية مثقلة بالإرث الاستعماري، ومصالح استراتيجية متشابكة في مجالات الطاقة والأمن والهجرة.
ورغم التوتر الذي أعقب صدور الحكم، شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات على انفراج نسبي، تمثلت في زيارات قنصلية واتصالات دبلوماسية مرتبطة بمتابعة وضعية الصحافي الفرنسي.
ويبدو أن الطرفين يسعيان إلى منع تحول القضية إلى أزمة سياسية مفتوحة، خصوصاً في ظل الحاجة المتبادلة للحفاظ على قنوات التواصل في ملفات إقليمية أكثر حساسية.
غير أن استمرار احتجاز صحافي فرنسي في الجزائر يظل عاملاً قادراً على إعادة إحياء التوترات كلما عادت القضية إلى واجهة الاهتمام الإعلامي الدولي.
العفو الرئاسي… المخرج الممكن
بعد استنفاد جميع المسارات القضائية، أصبح الحكم الصادر بحق غليز نهائياً، وهو ما يفتح، من الناحية القانونية، الباب أمام إمكانية الاستفادة من عفو رئاسي.
ويمنح الدستور الجزائري رئيس الجمهورية صلاحية إصدار عفو عن المحكوم عليهم بأحكام نهائية، وهو إجراء غالباً ما يُستخدم في مناسبات وطنية أو في إطار مبادرات ذات طابع إنساني أو سياسي.
ومن هنا، يبدو أن الملف انتقل من ساحات القضاء إلى دائرة القرار السياسي، حيث لم يعد السؤال مرتبطاً ببراءة الصحافي أو إدانته، بل بمدى استعداد السلطات الجزائرية لاعتبار الإفراج عنه خطوة تصب في تعزيز صورة البلاد دولياً.
عندما تصبح المقاعد الفارغة أكثر ضجيجاً
المفارقة أن كريستوف غليز، الموجود خلف القضبان، قد يكون أكثر حضوراً في كأس العالم المقبلة من عشرات الصحافيين الموجودين فعلياً في الملاعب.
فالمقعد الذي قالت الفيفا إنه “ينتظره” لم يعد مجرد مقعد صحافي، بل تحول إلى رمز للنقاش العالمي حول حدود حرية التعبير، ودور الصحافة في تناول الملفات الحساسة، والتوازن الدقيق بين مقتضيات الأمن القومي والالتزامات المتعلقة بالحقوق الأساسية.
وفي زمن أصبحت فيه الرياضة إحدى أدوات التأثير الجيوسياسي، ربما لم يعد السؤال: هل دخلت السياسة إلى الملاعب؟
بل أصبح السؤال الأكثر واقعية: هل بقيت هناك أي قضية سياسية كبرى خارج المدرجات؟
وفي انتظار قرار قد يأتي عبر عفو رئاسي، يظل مقعد كريستوف غليز شاغراً…