حزب الاستقلال يراهن على التعمير القروي كمدخل لتحقيق التنمية والعدالة المجالية
حنان رحاب
اختار حزب الاستقلال أن يفتح نقاشا جديدا حول مستقبل العالم القروي، من بوابة التعمير والبناء، في محاولة لتوسيع دائرة التفكير في هذا الملف بعيدا عن المقاربة التقليدية التي اختزلته لسنوات في رخص البناء ووثائق التهيئة. فالرسائل التي خرجت بها الندوة الوطنية التي نظمها الحزب تعكس توجها يدعو إلى ربط التعمير بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجعل المجال القروي فضاء للحياة والاستثمار، وليس مجرد مجال يخضع لضوابط عمرانية.
ويبدو أن الحزب يسعى إلى تقديم تصور يعتبر أن التعمير ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المدن والقرى. لذلك جاءت الدعوة إلى إطلاق ميثاق وطني جديد للتعمير في العالم القروي باعتبارها خطوة تروم بناء رؤية متكاملة، تنطلق من حاجيات المواطن قبل الانشغال بالإجراءات التقنية والإدارية.
ومن خلال هذا الطرح، يوجه حزب الاستقلال انتقادا غير مباشر للسياسات التي ربطت التنمية القروية بالنشاط الفلاحي وحده، معتبرا أن العالم القروي يتوفر على إمكانيات اقتصادية متنوعة يمكن أن تشكل رافعة للتنمية، سواء عبر السياحة القروية أو الاقتصاد الرقمي أو التجارة الإلكترونية أو الصناعات التقليدية والخفيفة. وهي رؤية تراهن على تنويع الاقتصاد المحلي بما يخلق فرص الشغل ويحد من الفوارق المجالية.
كما يبرز في خطاب الحزب تحول في مقاربة ظاهرة الهجرة القروية، إذ لم يعد النقاش منصبا على كيفية الحد منها، وإنما على توفير الظروف التي تجعل الاستقرار في القرى خيارا حقيقيا. فبالنسبة للحزب، لا يمكن الحديث عن تنمية قروية دون تعليم جيد، وخدمات صحية، وطرق، ونقل، وربط بالماء والكهرباء والإنترنت، إلى جانب فرص للاستثمار والإنتاج.
ومن بين أهم الرسائل التي حملها هذا التصور، التأكيد على ضرورة الحفاظ على الأراضي الفلاحية وعدم السماح بتحويلها إلى ضحية للتوسع العمراني غير المنظم. فحزب الاستقلال يعتبر أن حماية الرصيد العقاري الفلاحي لا تتعارض مع تلبية حاجيات السكن، بل تفرض اعتماد تخطيط استباقي يوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على الموارد الاستراتيجية.
ويراهن الحزب أيضا على الاستثمار في العنصر البشري باعتباره أساس أي تحول تنموي، من خلال تكوين الشباب في مجالات الفلاحة العصرية والاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، بما يمكن العالم القروي من استقطاب الاستثمار وخلق الثروة، وربما التحول مستقبلا إلى فضاء جاذب للسكان بدل أن يكون منطقة طاردة لهم.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه حزب الاستقلال نحو جعل العدالة المجالية أحد محاور السياسات العمومية، عبر الدعوة إلى تخطيط ترابي أكثر نجاعة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإرساء تعاقد ترابي يحدد المشاريع والأولويات ومصادر التمويل وآليات التتبع والتقييم.
وفي المجمل، يحاول حزب الاستقلال من خلال هذا النقاش أن يقدم التعمير باعتباره ورشا استراتيجيا يتجاوز البناء إلى إعادة تشكيل المجال القروي وفق رؤية تنموية متكاملة، تجعل الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتربط بين التخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في أفق بناء قرى أكثر جاذبية وقدرة على توفير شروط العيش الكريم.