المغرب: الملك محمد السادس يترأس مراسم تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري
بوشعيب البازي
ترأس الملك محمد السادس، اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في محطة سياسية ومؤسساتية تفتح مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام، وتضع الفريق الحكومي أمام مسؤولية ترجمة التوجهات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وجرت المراسم بحضور أعضاء الحكومة الجدد، الذين أدوا القسم بين يدي الملك، قبل التقاط صورة تذكارية جماعية توثق انطلاق مهام الفريق الحكومي الجديد.
فاطمة الزهراء المنصوري على رأس السلطة التنفيذية
يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة أبرز ملامح التشكيلة الجديدة، بما يحمله من دلالات سياسية مرتبطة بقيادة المرحلة المقبلة وتحديد أولويات العمل التنفيذي. وتنتظر الحكومة تحديات متعددة تتصل بتعزيز فعالية الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، ودعم الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كما تبرز أهمية المرحلة في مدى قدرة القيادة الحكومية الجديدة على إرساء الانسجام بين مختلف القطاعات، وضمان التكامل بين البرامج القطاعية والأهداف الاستراتيجية للدولة، في سياق يتطلب تسريع وتيرة الإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
استمرارية في القطاعات السيادية وتجديد في الأولويات
تضم الحكومة الجديدة عدداً من الأسماء التي تتولى قطاعات استراتيجية، من بينها عبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية، وناصر بوريطة وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، وأحمد التوفيق وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية.
كما أُسندت حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية إلى فوزي لقجع، فيما يتولى نزار بركة وزارة التجهيز والماء والغابات، ويقود نبيل بنعبد الله قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، بينما أُسندت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى يونس بجيجو.
وتشمل التشكيلة أيضاً قطاعات الفلاحة والسيادة الغذائية، والصناعة والتجارة والاستثمار، والنقل واللوجستيك، والطاقة والمعادن، والتشغيل والحوار الاجتماعي، إلى جانب الشباب والثقافة والرياضة والسياحة والصناعة التقليدية. ويعكس هذا التوزيع اتساع المجالات التي يتعين على الحكومة تدبيرها في إطار رؤية متكاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في صلب الهيكلة الحكومية
من أبرز الملامح التي تستوقف المتابعين في التشكيلة الجديدة إحداث حقيبة وزارية تحمل اسم الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، أُسندت إلى أحمد رحو.
وتعكس هذه التسمية توجهاً نحو إدماج التكنولوجيا والابتكار في تحديث الإدارة العمومية وتطوير أساليب تدبير المرافق والخدمات. غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة هذه المقاربة على تجاوز حدود الإعلان المؤسساتي، من خلال تطوير الخدمات الرقمية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين.
وفي السياق ذاته، تكتسي قطاعات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والتكوين المهني، والتربية الوطنية أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في إعداد الكفاءات اللازمة لمواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
التنمية الاجتماعية والتشغيل: اختبار النتائج
تتضمن الحكومة الجديدة حقائب مخصصة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، والإدماج الاجتماعي، والتشغيل والحوار الاجتماعي، فضلاً عن قطاعات الصحة والتعليم والسكن. ويضع هذا التداخل بين المجالات الاجتماعية الحكومة أمام ضرورة تنسيق السياسات العمومية بما يضمن أثراً ملموساً في الحياة اليومية للمواطنين.
وتظل قضايا البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، وتحسين القدرة الشرائية، وتوسيع الاستفادة من الحماية الاجتماعية، وتقليص التفاوتات في الولوج إلى الخدمات الأساسية، من أبرز الملفات التي ستحدد مستوى تقييم الأداء الحكومي.
كما يطرح تدبير قطاع السكن وسياسة المدينة تحدياً إضافياً يرتبط بتيسير الولوج إلى السكن اللائق، وتحسين ظروف العيش، وتحقيق تنمية مجالية أكثر توازناً، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تعاني نقصاً في التجهيزات والبنيات الأساسية.
حكومة أمام امتحان التنفيذ والمساءلة
تضم التشكيلة الجديدة كذلك قطاعات مرتبطة بالدفاع الوطني، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتجارة الخارجية، والصيد البحري، ومحاربة الهدر المدرسي، والتكوين المهني، والشباب، والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، وإصلاح الإدارة.
وتبرز هذه البنية أهمية التنسيق بين الوزارات، باعتباره شرطاً أساسياً لتفادي تداخل الاختصاصات وتشتت البرامج. كما أن فعالية الحكومة لن تقاس فقط بتوزيع الحقائب أو اتساع مجالات تدخلها، بل بقدرتها على تحديد أولويات واضحة، ووضع جداول زمنية قابلة للتنفيذ، وتعبئة الموارد الضرورية، وإخضاع السياسات العمومية للتقييم المنتظم.
وفي المحصلة، يشكل تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري بداية مرحلة سياسية وتنفيذية تتطلب وضوحاً في الرؤية ونجاعة في التدبير. وسيظل معيار النجاح الأساسي هو مدى قدرة الفريق الحكومي على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والاستجابة لتطلعات المغاربة إلى تنمية أكثر عدالة وفعالية واستدامة.