من محراب المسجد… إلى جرس باب المنزل.. حين تتحوّل الصدقة إلى جولة ميدانية غير معلنة في أحياء بروكسيل
بوشعيب البازي
لم يعد سكان بروكسيل يفاجَؤون بزحمة الترام، ولا بضرائب البلدية، ولا حتى ببرودة الطقس. الجديد الذي أثار الدهشة – بل والقلق – هو انتقال بعض العناصر المحسوبة على مساجد، خصوصًا في سكاربيك، من فضاء العبادة إلى فضاء الأبواب الخاصة، في جولات “بيتًا بيتًا” لطلب الصدقة باسم المسجد.
نعم، لم يعد صندوق التبرعات في آخر الصف كافيًا. ولم تعد خطب “شهر الغفران” – بما تحمله من تذكير بالعقاب والثواب – قادرة وحدها على تفريغ ما تبقى في جيوب المصلين. فكان الحل: طرق الأبواب.
المنهج بسيط: إن كان اسمك عربيًا، فاستعد. قد يرن الجرس، لا ساعي بريد ولا جار، بل شخص “يمثل المسجد”، يطلب الصدقة… للمسجد طبعًا.
من الصدقة الطوعية إلى الإحراج الإجباري
الصدقة في أصلها فعل اختياري، نابع من قناعة فردية. لكن ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى ضغط اجتماعي مقنّع. في المسجد، يُلمَّح للمصلّي أن الصلاة ناقصة بلا “شرط” التبرع. في السوق، يُلاحقك الطلب بين الخضر والفواكه. وفي البيت… تُفاجأ بزيارة غير متوقعة، باسم الدين، وبنبرة لا تخلو من الإلحاح.
أيّ دين هذا الذي يحتاج إلى جرس باب؟
وأيّ صورة هذه التي تُقدَّم عن المسلمين في بلد يقوم على سيادة القانون واحترام الحياة الخاصة؟
سؤال الأمن قبل سؤال الدين
بعيدًا عن الوعظ، يفرض الواقع سؤالًا باردًا ومباشرًا:
هل هذا السلوك آمن؟
طرق الأبواب بدعوى جمع المال يفتح الباب – حرفيًا – أمام مخاطر متعددة: انتحال صفة، احتيال، ترهيب نفسي، بل وحتى تهديد سلامة السكان، خاصة كبار السن والنساء. فكيف يُقبل هذا السلوك في دولة مثل بلجيكا، حيث حتى الجمعيات الخيرية تخضع لإجراءات وترخيص صارم؟
وهل يحق للمساجد ذلك قانونًا؟
السؤال القانوني لا يقل إحراجًا:
هل يحق للمساجد في بلجيكا جمع التبرعات عبر البيوت؟
القانون البلجيكي واضح في ما يخص جمع الأموال: لا بد من ترخيص، شفافية، هوية واضحة، ومسؤولية قانونية. أما أن يتحول “تمثيل المسجد” إلى بطاقة مفتوحة لطرق الأبواب، فذلك يضع العمل برمته في منطقة رمادية… إن لم نقل سوداء.
تمثيل المسلمين… أم إساءتهم؟
الأخطر في كل هذا ليس المال، بل الصورة. صورة المسلمين الذين يُقدَّمون اليوم كجماعة لا تحترم الفضاء الخاص، ولا القوانين، وتخلط بين العبادة والتسوّل المنظّم.
هذا السلوك – بصيغته الحالية – لا علاقة له بالدين، ولا بروح الصدقة، ولا بأخلاق المسجد. بل هو إساءة صريحة للمسلمين قبل غيرهم، ويغذي خطاب الشك والخوف في مجتمع أوروبي حساس أصلًا تجاه كل ما هو ديني.
إلى أين نحن ذاهبون؟
ما حدث اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل ناقوس إنذار.
إن كانت المساجد تعاني من مشاكل تمويل، فالحل ليس في إحراج الناس ولا في اقتحام بيوتهم، بل في الشفافية، التنظيم، واحترام القانون.
أما تحويل “شهر الغفران” إلى موسم جباية متنقلة، فذلك لا يغفره دين ولا يبرّره عقل.
تفاجأنا اليوم، نعم.
لكن الأهم: هل سنصمت غدًا؟