هل حلمت يومًا أن تعود إلى وطنك لتجد “استثمار العمر” قد تحول إلى عمارة بطوابق متناسقة ودهان أنيق… دون أن تضع لبنة واحدة؟ هذا ليس سيناريو من أفلام العبث، بل واقع يومي يعيشه عدد متزايد من مغاربة العالم، الذين صاروا أهدافًا مفضلة لمقاولين الأشباح وموظفين يجيدون الرقص فوق القانون.
بطل الحكاية هذه المرة، مهاجر مغربي ، جمع درهمًا فوق يورو، واشترى قطعة أرض في مشارف مدينة القنيطرة . وبعد سنوات من العمل وادخار كل مليم، قرر العودة لبدء مشروع بناء. لكنه حين حط الرحال، لم يجد الأرض… بل وجد عمارة مكتملة البناء يسكنها عشرات الأسر.
“ما شاء الله، عمارة فاخرة… لكن لمن؟”
المهاجر المغربي وقف مشدوهًا. ظن للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أن “غوغل ماب” خانته. لكن لا. العنوان مطابق، وثائق الملكية سليمة، فقط هناك تفصيلة صغيرة: الأرض لم تعد له، بل لشخص آخر اسمه لا علاقة له به، ولا حتى بحروف اسمه!
توجه إلى المحافظة العقارية، ظنًا منه أن هناك خطأ إداريًا. فإذا به يكتشف أن هناك “عقد بيع موثق وموقع” باسمه، مرفق بوكالة مزورة، وتوقيع ليس توقيعه، ولا حتى قلمه. الخلاصة؟ شخص ما باع أرضه وهو نائم في الغربة، وكل شيء “بالقانون”.
في المغرب، إذا غبت طويلاً… ملكيتك تصبح قابلة للتصرف الجماعي
ظاهرة التزوير في وثائق الملكية التي تطال أراضي مغاربة العالم أصبحت تشبه الوباء الإداري. شبكة معقدة تبدأ من عدل مرتاح الضمير، وتمر عبر موظف يغمض عينيه، وتنتهي بمقاول “لا يسأل كثيرًا”. أما الضحية، فهو مغترب ظن أن حب الوطن كافٍ لحماية ممتلكاته.
والغريب أن الدولة، رغم التصريحات الرنانة بحماية الجالية، لا تزال تتعامل مع هذه القضايا بـ”التمهل الإداري”، كأن القضية تتعلق بفقدان قنينة ماء، لا أرض بأكملها.
ساكن العمارة: “أنا اشتريت الشقة قانونيًا… ما ذنبي؟”
الضحايا يتكاثرون، أما الجناة، فإما أشباح في بلدان اللجوء العقاري، أو نافذون لا يُمسّون. القضاء؟ قد يأخذ مجراه، لكن على مهل، مهل كافٍ لكي تُباع الشقة، وتُرهن، وتُورّث، وتُنسى الحقيقة.
خسائر بالجملة، وثقة تتآكل
النتيجة ليست فقط خسارة مادية، بل ضياع ثقة فئة كاملة من المواطنين في دولتهم الأم. كيف تطلب من مهاجر أن يستثمر في بلده، وهو يرى ممتلكاته تُختطف بالحبر المزور؟ كيف نقنع أبناء الجالية بالعودة، والبلد لا يضمن حتى حدود أرضهم؟
على طراز مغربي
في المغرب، قد تغيب عن أرضك أربعة سنوات… فتعود لتجد فوقها عمارة، أو حديقة عمومية، أو حتى مقر جماعة. كل شيء ممكن في ظل إبداع عقاري لا يعترف بالملكية إلا لمن يحمل الختم المناسب.
أما عبد القادر، فقد عاد إلى بلد الإقامة… وقرر أن يستثمر في شيء مضمون: دفتر توفير في البريد. على الأقل، هناك لا يُبنى فوقه عمارة إلى غاية تقرير مصير ارضه تحت طائلة بيروقراطية المحاكم و المساطر.