عزوف اليد العاملة المغربية عن مصانع الكابلاج… عندما تصبح كرامة العامل شرطاً للاستثمار
بوشعيب البازي
لم يعد قطاع صناعة الكابلاج في المغرب يواجه فقط تحديات مرتبطة بالمنافسة الدولية أو تقلبات الأسواق، بل أصبح يصطدم بإشكال أكثر عمقاً يتمثل في العزوف المتزايد لليد العاملة المغربية عن الالتحاق بهذه المصانع، رغم استمرار الطلب على العمال. وهي ظاهرة تعكس تحولاً في وعي العامل المغربي الذي لم يعد يقبل العمل في ظروف يعتبرها غير متناسبة مع حجم الجهد المبذول ومستوى الأجور المعروضة.
لقد شكل قطاع الكابلاج، على مدى سنوات، أحد أهم القطاعات التي استقطبت الاستثمارات الأجنبية بالمغرب، مستفيداً من الموقع الجغرافي للمملكة، والبنية التحتية الصناعية، واتفاقيات التبادل الحر، إضافة إلى توفر يد عاملة شابة. غير أن النمو الاقتصادي لا يمكن قياسه فقط بعدد المصانع التي يتم افتتاحها، وإنما كذلك بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على تحسين المستوى المعيشي للعامل المغربي.
في العديد من الوحدات الصناعية، لا يتجاوز الأجر الشهري حوالي 3200 درهم، أي ما يقارب 300 يورو، مقابل ثماني ساعات عمل يومياً، وهو ما يعادل نحو 100 درهم في اليوم، أو حوالي 12 إلى 13 درهماً للساعة، أي ما يقارب 1.2 يورو. وعند مقارنة هذا الرقم بما تتقاضاه اليد العاملة داخل الفروع الأوروبية للشركات نفسها، حيث قد تصل الأجور إلى نحو 20 يورو للساعة بحسب الدولة والقوانين الاجتماعية المعمول بها، يتضح حجم الفارق في القيمة الممنوحة للعمل، رغم أن طبيعة المهام والإنتاج الموجه للأسواق العالمية قد تكون متقاربة.
هذه المفارقة أعادت إلى الواجهة النقاش حول النموذج الاقتصادي الذي اعتمده المغرب في استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فقد نجحت السلطات العمومية في تقديم المملكة كوجهة صناعية تنافسية، إلا أن هذا النجاح، بحسب عدد من المتابعين والفاعلين الاجتماعيين، لم يكن مصحوباً بالقدر نفسه من الحرص على ضمان شروط عمل تحفظ كرامة الأجراء وتوفر لهم أجوراً تتناسب مع تكاليف المعيشة المتزايدة.
وفي الأشهر الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتشار شهادات ومقاطع مصورة منسوبة إلى عاملات وعمال في مصانع الكابلاج، تحدثوا فيها عن ضغوط العمل، وصعوبة المهام، وبعض الممارسات التي يعتبرونها غير منصفة داخل عدد من الوحدات الصناعية. ورغم اختلاف الحالات من مصنع إلى آخر، فإن تكرار هذه الشهادات يعكس حالة من الاحتقان الاجتماعي تستدعي فتح نقاش مسؤول حول أوضاع هذا القطاع الحيوي.
إن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على انخفاض تكلفة اليد العاملة فحسب، بل على خلق بيئة إنتاجية مستقرة يشعر فيها العامل بالاحترام والأمان الوظيفي. فالعامل الذي يتقاضى أجراً لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية لن يكون قادراً على تحقيق الإنتاجية المطلوبة، ولن يرى في المصنع فضاءً لبناء مستقبله، بل مجرد محطة مؤقتة في انتظار فرصة أفضل.
ولعل ما يفسر الصعوبات التي تواجهها العديد من شركات الكابلاج في عمليات التوظيف هو أن السوق المغربية تغيرت. فجيل اليوم أصبح أكثر اطلاعاً على ظروف العمل داخل المغرب وخارجه، وأكثر قدرة على مقارنة الأجور ومستوى الحقوق الاجتماعية، وهو ما جعله يرفض منطق العمل بأجور ضعيفة لا تتناسب مع حجم المجهود المبذول.
إن استمرار هذا الوضع قد يدفع الشركات إلى مراجعة نموذجها الاجتماعي، ليس فقط لتجاوز أزمة التوظيف، بل للحفاظ على تنافسيتها على المدى الطويل. فرفع الأجور إلى مستويات تضمن العيش الكريم، بما لا يقل عن 7000 درهم شهرياً وفق ما يطالب به عدد من العمال والمتابعين، وتحسين ظروف العمل، واحترام الحقوق المهنية، لم يعد مجرد مطلب نقابي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية لضمان استقرار القطاع.
كما أن الدولة مطالبة اليوم بإعادة تقييم فلسفة جذب الاستثمارات الأجنبية. فالمنافسة بين الدول لا ينبغي أن تقوم على تقديم اليد العاملة الأرخص، وإنما على توفير مناخ يجمع بين الجاذبية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالاستثمار الذي يحقق أرباحاً كبيرة للشركات دون أن ينعكس على حياة العامل يظل نموذجاً يحتاج إلى مراجعة.
إن كرامة العامل ليست امتيازاً، بل حق دستوري وإنساني، والتنمية الصناعية الحقيقية لا تقاس بعدد المصانع أو بحجم الصادرات فقط، وإنما بقدرة هذه الصناعة على خلق طبقة عاملة مستقرة، تتمتع بأجر عادل، وحماية اجتماعية، وظروف عمل تحفظ كرامتها. وعندما يشعر العامل بأن جهده يحظى بالتقدير، يصبح الاستثمار أكثر استدامة، وتصبح التنمية أكثر عدالة، ويكسب الجميع: الدولة، والمقاولة، والمجتمع.