انفراج حذر في أزمة مضيق هرمز وسط رهانات دولية على اتفاق أميركي إيراني شامل

بوشعيب البازي

واشنطن – أعادت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج رسم مشهد التوتر الإقليمي، بعدما أعلنت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بالتزامن مع تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، ما أوجد حالة من الارتياح الحذر في الأسواق العالمية والعواصم المعنية بأمن الطاقة والتجارة الدولية.

هذا التحول انعكس بوضوح في خطاب الإدارة الأميركية، حيث تبنى الرئيس دونالد ترامب نبرة تجمع بين التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق شامل مع طهران، وبين الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لضمان تنازلات إضافية من الجانب الإيراني.

وفي تصريحات أدلى بها للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية، أكد ترامب أن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية سيستمر ما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، مشيراً إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأسبوع المقبل. وأضاف أن فرص التوصل إلى تسوية لا تزال مرتفعة، قائلاً إن الاتفاق “قريب جداً”.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه واشنطن إلى استثمار مؤشرات التهدئة لطمأنة الأسواق العالمية، خصوصاً بعد أسابيع من الاضطرابات التي انعكست على أسعار النفط وحركة الشحن البحري. كما أشار ترامب إلى أن إعادة فتح المضيق لاقت ترحيباً دولياً واسعاً، معتبراً أنها خطوة مهمة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ملف اليورانيوم يعقّد المفاوضات

ورغم الأجواء الإيجابية، لا تزال بعض الملفات الجوهرية تشكل عقبة أمام التسوية، وفي مقدمتها مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. فالولايات المتحدة تطالب بنقله خارج الأراضي الإيرانية ضمن أي اتفاق مستقبلي يضمن منع طهران من تطوير سلاح نووي.

ترامب شدد في خطاب ألقاه بولاية أريزونا على أن بلاده لن تقبل بأي تسوية لا تتضمن معالجة هذا الملف، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران قدرات نووية عسكرية.

في المقابل، رفضت طهران هذه الطروحات بشكل واضح، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن اليورانيوم المخصب “لن يُنقل إلى أي مكان”، معتبراً أن القضية تمثل مسألة سيادية لا يمكن التفاوض بشأنها بسهولة.

تهديدات متبادلة بشأن المضيق

ورغم إعادة فتح مضيق هرمز، أبقت إيران على لهجة تحذيرية، إذ أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية قد يدفع طهران إلى إغلاق المضيق مجدداً، مضيفاً أن المرور البحري سيخضع لضوابط وموافقات إيرانية.

ويُعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملاً مباشراً في تقلب الأسواق الدولية.

في هذا السياق، أفادت تقارير ملاحية بريطانية بأن عشرات السفن تعرضت خلال الأسابيع الماضية للاستهداف أو القصف في محيط المضيق منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، ما رفع منسوب المخاطر على حركة التجارة العالمية.

تحرك أوروبي لتأمين الملاحة

بالتوازي مع المسار الأميركي الإيراني، دخلت أوروبا على خط الأزمة عبر مشاورات جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع عدد من القادة الحلفاء في باريس، لبحث تشكيل قوة متعددة الأطراف تتولى حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز فور تثبيت الهدنة.

كما رحبت أستراليا بإعادة فتح المضيق، لكنها اعتبرت أن الوضع لا يزال هشاً وقابلاً للتصعيد في أي لحظة.

ارتياح اقتصادي مؤقت

الأسواق العالمية تلقفت التطورات بإيجابية، حيث تراجعت أسعار النفط بعد موجة ارتفاع حادة، كما سجلت البورصات الأوروبية والأميركية مكاسب ملحوظة مدفوعة بتوقعات انحسار الأزمة.

وفي خطوة داعمة لاستقرار أسعار الطاقة، مددت الإدارة الأميركية إعفاءات متعلقة بالنفط الروسي المنقول بحراً لمدة شهر إضافي، في محاولة لزيادة المعروض العالمي وتخفيف الضغوط على الأسواق.

مستقبل مفتوح على الاحتمالات

ورغم التهدئة الحالية، فإن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل النهائي. فالتصريحات المتفائلة من واشنطن تقابلها شروط صارمة من طهران، فيما يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية يمكن أن تعيد المنطقة سريعاً إلى مربع التصعيد.

وبين الدبلوماسية والردع، تترقب العواصم الكبرى الجولة المقبلة من المفاوضات، التي قد تحدد ما إذا كانت الهدنة الحالية ستتحول إلى سلام دائم، أم إلى مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من المواجهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com