سنة ونصف من الانتظار: هل ضاعت بوصلة الجالية بين الخطاب الملكي وبيروقراطية التنفيذ؟
بوشعيب البازي
حين يتحدث الملك في المغرب، تُفترض السرعة في التنفيذ، وتُنتظر الدينامية في المؤسسات، ويُفترض أن تتحول التعليمات الكبرى إلى أوراش ملموسة. لكن حين يتعلق الأمر بتدبير شؤون الجالية المغربية بالخارج، يبدو أن الزمن الإداري المغربي اخترع تقويماً خاصاً به، تقويماً لا تُحسب فيه السنوات بالأشهر، بل باللجان، ولا تُقاس فيه المدد الزمنية بالساعات، بل بعدد الاجتماعات المؤجلة.
فقد مرّ أكثر من سنة ونصف على الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، والذي رسم بوضوح معالم تحول استراتيجي جديد في تدبير ملف الجالية المغربية المقيمة بالخارج، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات القائمة، وإحداث بنيات جديدة أكثر انسجاماً وفعالية. غير أن ما تحقق إلى حدود اليوم، يكاد يوازي ذلك الصمت الإداري المهيب الذي تتقنه بعض المؤسسات حين تُفاجأ بضرورة العمل.
الجالية: ثروة استراتيجية أم ملف موسمي؟
الجالية المغربية ليست مجرد امتداد بشري خارج الحدود، بل هي رافعة جيوسياسية واقتصادية وثقافية. ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم يمثلون شبكة نفوذ ناعمة للمغرب، من بروكسيل إلى مونتريال، ومن أمستردام إلى الخليج. تحويلاتهم المالية تشكل أحد أعمدة التوازن الاقتصادي الوطني، وكفاءاتهم المهنية والعلمية تمثل احتياطياً استراتيجياً قلّ نظيره.
لكن المفارقة المغربية بامتياز: فكلما ارتفعت أهمية الجالية في الخطب الرسمية، انخفضت سرعتها في أجندة التنفيذ الإداري.
فالملك دعا بوضوح إلى هيأتين مركزيتين: مجلس جديد للجالية بتمثيلية حقيقية، ومؤسسة محمدية تضطلع بالدور التنفيذي وتوحد الصلاحيات المتناثرة. أي إن الدولة أرادت الانتقال من منطق التشتت إلى منطق الحكامة. غير أن البيروقراطية، كما يبدو، قررت الانتقال من منطق البطء إلى منطق السبات العميق.
من يحكم الملف؟ سؤال بسيط بإجابة معقدة
المشكلة البنيوية في ملف الجالية لم تكن يوماً في غياب الرؤية الملكية، بل في تضخم الوسطاء. وزارات، مؤسسات، مجالس، قنصليات، مراكز، لجان، مبادرات، منصات… وكل جهة تعتبر نفسها “الفاعل الأساسي”، بينما المواطن المقيم بالخارج يبحث فقط عن وثيقة إدارية لا تستغرق ثلاثة أشهر، أو استثمار لا يضيع في متاهة التوقيعات.
لقد تحدث الخطاب الملكي عن إنهاء تداخل الاختصاصات، وهو تعبير دبلوماسي راقٍ لوصف حالة فوضى مؤسساتية مزمنة. ففي المغرب، حين تتعدد المؤسسات حول نفس الملف، لا يعني ذلك غنىً في المقاربات، بل غالباً سباقاً هادئاً نحو الاختفاء الجماعي للمسؤولية.
سنة ونصف من التأخر: هل نحن أمام مقاومة صامتة للإصلاح؟
في العلوم السياسية، يُعرف هذا النوع من السلوك الإداري بـالمقاومة الباردة للإصلاح. أي أن القرار الاستراتيجي يُستقبل بالتصفيق، ثم يُدفن بهدوء تحت ركام المساطر، والاستشارات، وصياغة النصوص، وتبادل الملاحظات، وانتظار “الظروف المناسبة”.
هي طريقة أنيقة لقول “نعم” عملياً و“ليس الآن” تنفيذياً.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: إذا كان تنزيل إصلاح مؤسساتي واضح ومباشر احتاج كل هذا الزمن، فماذا عن الورش الأكثر حساسية، أي المشاركة السياسية لمغاربة العالم؟
دستور 2011: النص حاضر… والناخب غائب
دستور 2011 أقر بوضوح حقوق مغاربة العالم في المواطنة الكاملة، بما فيها المشاركة السياسية والتمثيلية في المؤسسات المنتخبة. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا المقتضى أقرب إلى وعد دستوري جميل، منه إلى حق قابل للتنفيذ.
مرت انتخابات 2011، ثم 2016، ثم 2021، ولا تزال الجالية تُستدعى وطنياً في الصيف، مالياً عبر التحويلات، عاطفياً في المناسبات، لكن انتخابياً ما زالت خارج التغطية. والحجة الجاهزة دائماً: التعقيد اللوجستيكي.
والحال أن دولاً أكثر تعقيداً سكانياً وجغرافياً تنظم تصويت جالياتها عبر العالم دون أزمة وجودية. أما في المغرب، فيبدو أن نقل صناديق الاقتراع إلى الخارج أصعب من إطلاق قمر صناعي.
الجالية بين الحق والحنين
تعامل بعض دوائر القرار مع الجالية لا يزال أسير نظرة قديمة: مغاربة الخارج يُراد لهم أن يبقوا خزّاناً للتحويلات، وجسراً للسياحة الصيفية، وصورة جميلة للتسامح المغربي في الخارج. أما أن يصبحوا قوة اقتراح وانتخاب ومحاسبة وتمثيل، فذلك يربك التوازنات التقليدية.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة تريد كفاءاتهم، أموالهم، دفاعهم عن صورة الوطن، لكنها تتردد في منحهم كامل أدوات التأثير السياسي داخله.
اللحظة الحالية لا تحتاج خطاباً جديداً، بل تحتاج فقط احترام الخطاب القائم. وتحتاج قبل ذلك إلى شجاعة مؤسساتية تقطع مع عقلية التأجيل.
المطلوب اليوم لم يعد مزيداً من التشخيص أو إنتاج خطابات إضافية، بل الانتقال الحاسم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، عبر التسريع بإخراج مجلس الجالية المغربية بالخارج وفق منطق ديمقراطي قائم على الانتخاب والتمثيلية الحقيقية بدل منطق التعيين المفتوح زمنياً، مع تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج ومنحها صلاحيات تنفيذية واضحة تتجاوز الأدوار الرمزية والبروتوكولية. كما يقتضي الأمر إطلاق مسار جدي وشفاف يضمن مشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى جانب رقمنة الخدمات القنصلية والقضائية بشكل عملي وناجع، لا عبر منصات إلكترونية تتعطل أكثر مما تشتغل. والأهم من ذلك كله، هو الانتقال بملف الجالية من كونه موضوعاً موسمياً يرتبط بفترة الصيف والخطابات المناسبة، إلى اعتباره سياسة دولة دائمة ومستمرة، تواكب تحولات هذه الفئة الحيوية وتستثمر قدراتها الاستراتيجية.
المغرب اليوم يربح رهانات كبرى في الدبلوماسية، والاستثمار، والتموقع الدولي. لكن من الغريب أن دولة تفاوض القوى الكبرى بثقة، ما زالت تجد صعوبة في تنظيم علاقتها الإدارية مع أبنائها في الخارج.
إن استمرار التأخر في تنزيل توجيهات ملكية واضحة لا يطرح فقط سؤال النجاعة، بل سؤال الإرادة أيضاً.
أما بخصوص مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات، فالجواب لم يعد قانونياً ولا تقنياً… بل زمنياً: هل سننتظر استحقاقاً آخر، أم جيلاً آخر؟