حين تصبح الجرافة أسرع من العدالة مدن تُزَيَّن للضيوف… وسكان يُطلب منهم المغادرة بهدوء

بوشعيب البازي

Screenshot

في المغرب، يبدو أن بعض مشاريع “التأهيل الحضري” اكتشفت معادلة عبقرية: كيف تجعل المدينة أكثر أناقة من دون سكانها الأصليين. يكفي أن تصل الجرافات في الصباح، وأن يُطلب من الأسر في المساء أن تتفهم ضرورات التنمية، ثم يُقترح عليها لاحقاً أن تعتبر ما حدث “تحديثاً مؤلماً لكنه ضروري”.

الرجل الذي خرج من بيته حاملاً بقايا ذاكرة، والمرأة التي أغلقت باباً قد لا تفتحه مجدداً، والطفل الذي لم يفهم لماذا صار عنوانه القديم جزءاً من مشروع عمراني جديد… هؤلاء ليسوا تفاصيل جانبية في تقرير إداري، بل هم جوهر القضية. غير أن لغة الإسمنت غالباً ما تتحدث بصوت أعلى من لغة البشر.

في الدار البيضاء، كما في الرباط ومدن أخرى، تصاعدت احتجاجات هيئات حقوقية وسياسية ونقابية ضد عمليات هدم وترحيل طالت أحياء شعبية وسكاناً محدودي الدخل، وسط اتهامات بغياب الشفافية، وضعف التعويضات، وانعدام المقاربة التشاركية. أما الرواية الرسمية فتؤكد أن كل شيء يتم في إطار القانون، وكأن القانون وحده قادر دائماً على تعويض الإحساس بالفقدان.

المفارقة أن مشاريع تُقدَّم باعتبارها عنواناً للتنمية، تُدار أحياناً بمنطق الطوارئ. أسبوع واحد لمغادرة منزل؟ هذا زمن مناسب لتنظيم ندوة صحفية، لكنه بالكاد يكفي لعائلة كي تجد شقة، وتنقل أبناءها، وتعيد ترتيب حياتها، وتشرح لجيرانها لماذا اختفت فجأة.

وفي بعض الحالات، لا يتوقف الأمر عند مغادرة البيت فقط، بل يبدأ امتحان مالي قاسٍ بعد الهدم، إذ يُطلب من المواطن أداء مبلغ يصل إلى 12 مليون سنتيم للاستفادة من شقة بديلة. رقم قد يبدو عادياً على الورق، لكنه بالنسبة لغالبية الأسر الهشة يساوي سنوات من العمل والديون والحرمان. وحين تُربط الكرامة السكنية بمبلغ لا يملكه المواطن، يصبح الخيار بين مستحيلين: إما الاقتراض فوق القدرة، أو مواجهة شبح العراء.

في ضواحي الدارالبيضاء ، تحولت القضية إلى نموذج مصغر لجدل أكبر: هل نحن أمام إعادة تأهيل حضري أم إعادة توزيع اجتماعي قسري؟ السكان يتحدثون عن ضغوط، والجمعيات الحقوقية تصف ما يجري بتهجير مقنّع، بينما ترد السلطات بمفردات “التراضي” و“المصلحة العامة”. وفي المنتصف، يقف المواطن حائراً بين قاموسين: واحد إداري أنيق، وآخر يومي مليء بالفواتير والحيرة ودموع الأطفال.

ثم هناك العبء الذي لا يظهر في البلاغات الرسمية: الأسرة التي انتقلت إلى سلا أو تمارة، لكنها ما زالت مرتبطة بمدارس الرباط، فتبدأ يومها برحلة لوجستية أشبه بخط نقل عمومي خاص. الأب يرافق، الأم تلحق، الأطفال ينتظرون، والمدينة الحديثة تُصفق لنفسها لأنها أصبحت أجمل في الصور.

لا أحد يعارض تطوير المدن. لا أحد يرفض تحسين البنية التحتية أو تأهيل الأحياء الهشة أو الاستعداد لتظاهرات كبرى مثل كأس إفريقيا أو كأس العالم 2030. لكن السؤال الذي يرفض المغادرة هو: هل يمكن بناء واجهة حضارية على حساب الاستقرار الاجتماعي؟ وهل المطلوب من الفقراء دائماً أن يدفعوا ثمن الصورة التذكارية؟

المدن العادلة لا تُقاس فقط بعرض الشوارع ولا بلمعان الأرصفة، بل بقدرتها على حماية أضعف سكانها. التنمية الحقيقية لا تبدأ بإزالة الناس من المشهد، بل بإشراكهم فيه. أما حين يتحول المواطن إلى عقبة هندسية، فالمشكل ليس في الأحياء الشعبية، بل في الفكرة نفسها.

المغرب اليوم أمام امتحان حضري وسياسي معاً: هل يريد مدناً حديثة تسكنها طبقات مختلفة، أم مدناً أنيقة لا يدخلها إلا من يستطيع دفع الإيجار الجديد؟

في النهاية، يمكن للجرافة أن تهدم بيتاً في ساعات، لكنها لا تستطيع بناء ثقة مهدمة منذ سنوات. وذلك، للأسف، مشروع أكثر تعقيداً من كل مشاريع الإسمنت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com