جنود الظل في الدبلوماسية المغربية: الطاقم الذي يصنع الإنجاز بصمت خلف ناصر بوريطة

بوشعيب البازي

في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتعقد فيه موازين القوى، لم تعد الدبلوماسية مجرد بروتوكول رسمي أو لقاءات موسمية تُلتقط خلالها الصور التذكارية، بل أصبحت جبهة سيادية متقدمة، يُقاس فيها نفوذ الدول بقدرتها على الحضور، الإقناع، التأثير، وحماية مصالحها في عالم مضطرب. وفي هذا السياق، برزت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج كواحدة من أكثر المؤسسات المغربية دينامية وانضباطاً، بفضل قيادة سياسية واضحة، ووزير أثبت كفاءة عالية في إدارة الملفات الكبرى، هو ناصر بوريطة، وبفضل طاقم مهني يعمل بعيداً عن الأضواء، لكنه حاضر بقوة في النتائج.

خلف كل موقف دبلوماسي ناجح، وكل اختراق سياسي نوعي، وكل أزمة تم تدبيرها بحكمة، يقف رجال ونساء اختاروا خدمة الوطن مهنة ورسالة. هؤلاء ليسوا مجرد موظفين إداريين، بل نخبة تكونت داخل المؤسسة، وتدرجت في المسؤوليات، واكتسبت خبرة الميدان، وتشبعت بثقافة الدولة، حيث تختصر البوصلة في ثلاث كلمات: الله، الوطن، الملك.

Screenshot

إن الحديث عن وزارة الخارجية المغربية لا يمكن أن يقتصر على الواجهة السياسية فقط، لأن النجاح الحقيقي يبدأ من القاعدة الصلبة: المديريات المركزية، الخلايا التقنية، المستشارون، الدبلوماسيون الشباب، الأطر القانونية، المسؤولون القنصليون، والموظفون الذين يسهرون يومياً على تدبير ملفات المواطنين داخل السفارات والقنصليات عبر العالم. هناك، بعيداً عن العناوين الكبرى، تُنجز معارك يومية لا تقل أهمية عن المعارك الدبلوماسية الرسمية.

في القنصليات المغربية المنتشرة عبر القارات، يشتغل طاقم كامل تحت ضغط متواصل، لتلبية حاجيات الجالية، من الوثائق الإدارية إلى الحالات الإنسانية المعقدة، ومن مواكبة الاستثمارات إلى حل النزاعات الفردية. وفي كثير من الأحيان، تمتد ساعات العمل إلى ما بعد التوقيت الرسمي، لأن خدمة المواطن لا تعترف بعقارب الساعة، ولأن الوطن حاضر حتى في التفاصيل الصغيرة.

Screenshot

أما داخل الإدارة المركزية بالرباط، فالصورة أكثر كثافة. ملفات متراكمة، تقارير عاجلة، تحليلات استراتيجية، تنسيق متعدد المستويات، واستعداد دائم لأي طارئ دولي. هناك من يتناول وجبته داخل المكتب، وهناك من يغادر متأخراً ليعود باكراً، وهناك من يضع أسرته جانباً حين يستدعي الواجب الوطني التعبئة. إنها مدرسة الدولة حين تكون المؤسسات حية، ويكون الانتماء فعلاً لا شعاراً.

ولأنهم يدركون حجم التضحيات المبذولة في سبيل الوطن، فإن هؤلاء الأطر ينظرون إلى أي تجاوز مهني أو إخلال بالواجب باعتباره مساساً بالأمانة الوطنية، بل شكلاً من أشكال الخيانة المعنوية لروح المؤسسة. فهم يرفضون كل سلوك يخرج عن النظام والانضباط، ويستنكرون كل من يحاول تشويه صورة الوزارة أو الإساءة إلى سمعة أطرها، لأنهم يعتبرون أنفسهم عائلة مهنية واحدة، يجمعها الولاء للدولة والالتزام الصارم بأخلاقيات الخدمة العمومية.

لقد نجح هذا الطاقم، بقيادة ناصر بوريطة، في تحويل الدبلوماسية المغربية إلى قوة اقتراح ومبادرة، لا مجرد رد فعل. من توسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء، إلى بناء شراكات استراتيجية مع قوى دولية وإفريقية، إلى ترسيخ موقع المغرب كفاعل موثوق في قضايا الأمن والهجرة والطاقة، كلها نتائج لم تكن لتتحقق لولا وجود رجال ونساء يشتغلون في صمت، بعقل الدولة ومنطق الاستمرارية.

واللافت أن هذا الجيل الإداري والدبلوماسي الجديد يحمل أيضاً حساً عالياً بالنزاهة المؤسساتية. فهو يدرك أن أي تهاون داخلي قد يضر بصورة المغرب في الخارج، ولذلك يرفض العبث، ويقاوم الفساد، ويحرص على احترام القانون والمساطر، خصوصاً في ما يتعلق بخدمة المواطنين. فالمؤسسة القوية لا تُقاس فقط بإنجازاتها الخارجية، بل أيضاً بقدرتها على حماية نفسها من الاختلالات الداخلية.

في العلوم الجيوستراتيجية، يُقال إن الدول الصاعدة هي تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على العمل المستمر، بغض النظر عن تبدل الظروف. والمغرب، في هذا الباب، يقدم نموذجاً متقدماً، حيث تتكامل الرؤية الملكية مع التنفيذ الحكومي، ويجد القرار الاستراتيجي طريقه إلى التطبيق عبر كفاءات وطنية عالية الانضباط.

إن رجال ونساء وزارة الخارجية المغربية ليسوا مجرد موظفين في جهاز إداري، بل هم جنود مدنيون في معركة السيادة والمكانة الدولية. وعندما يُستدعون لخدمة الوطن، لا يسألون عن الساعة ولا عن التعب، بل يجيبون بكلمة واحدة: مرحبا.

ذلك هو سر المؤسسات الناجحة، وذلك هو الفارق بين إدارة تؤدي وظيفة، ومؤسسة تحمل وطناً على أكتافها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com