حين يتحول الإرث الفني إلى عبء: حمزة الصنهاجي ودرس “نجم الشعبي” القاسي

بوشعيب البازي

Screenshot

في عالم الفن، هناك لحظات يكتشف فيها الجمهور أن “اسم العائلة” قد يفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يُجبر التصفيق على الاستمرار. وهذه بالضبط هي الخلاصة التي خرج بها كثير من متتبعي برنامج “نجم الشعبي” بعد الإقصاء الذي تلقاه حمزة الصنهاجي، نجل الفنان الشعبي المغربي سعيد الصنهاجي، من نصف نهائي المسابقة، في مشهد تحوّل بسرعة إلى مادة دسمة للنقاش والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

فبدل أن يظهر المتسابق الشاب قدراً من النضج الفني والهدوء المطلوبين في مثل هذه البرامج، بدا وكأنه لم يستوعب بعد قاعدة بسيطة يعرفها حتى الهواة: الجمهور لا يصوّت لشجرة العائلة، بل للصوت، للحضور، وللشخصية الفنية المستقلة.

ما أثار الانتباه أكثر من نتيجة الإقصاء نفسها، هو الطريقة التي تعامل بها حمزة مع الانتقادات التي وُجهت إليه طيلة حلقات البرنامج. فمنذ بدايات مشاركته، أجمع عدد من الأساتذة والملاحظين على نقطة تكاد تكون بديهية: الشاب لا يزال أسير ظل والده. نفس الأداء، نفس “الخروج والدخول” في المقامات، نفس طريقة تحريك اليدين، وحتى نفس الانفعالات المسرحية التي اشتهر بها سعيد الصنهاجي على مدى سنوات طويلة.

المشكلة هنا ليست في التأثر بالأب، فكل الفنانين يبدأون بالتقليد قبل اكتشاف ذواتهم، بل في الإصرار على البقاء داخل النسخة الكربونية، وكأن المشروع الفني الوحيد المتاح هو “سعيد الصنهاجي: الجيل الثاني”.

في البرامج الفنية الكبرى، لا يبحث الجمهور عن “ناسخ صوتي”، بل عن شخصية تملك القدرة على إضافة شيء جديد للمشهد. وحتى حين يكون الأب نجماً معروفاً، فإن ذلك يضاعف مسؤولية الابن بدل أن يخففها. لأن المقارنة تصبح قاسية، بل أحياناً ظالمة. والجمهور المغربي، رغم عاطفيته، يملك حاسة فنية حادة تجعله يكتشف بسرعة الفرق بين الموهبة الحقيقية والاتكاء على الرصيد العائلي.

ولعل أكثر ما أضر بصورة حمزة الصنهاجي خلال هذه التجربة، ليس فقط الأداء الذي اعتبره البعض محدوداً، بل ذلك الإحساس المتكرر بأنه يتعامل مع المشاركة وكأن المرور إلى النهائيات “حق مكتسب” بحكم الانتماء العائلي. وهي الذهنية التي تُسقط كثيراً من أبناء المشاهير في فخ الغرور المبكر، قبل أن يصطدموا بحقيقة قاسية: الشهرة تُورّث أحياناً، لكن الكاريزما لا تُورّث.

لقد بدا واضحاً، خلال بعض لحات البرنامج، أن الانتقادات الفنية كانت تُستقبل بنوع من الحساسية المفرطة، وكأن لجنة التحكيم مطالبة بالمجاملة احتراماً لتاريخ الأب. غير أن الفن، في نهاية المطاف، ليس جمعية خيرية للعائلات الفنية، ولا مؤسسة لإعادة تدوير الأسماء المعروفة.

وإذا كان سعيد الصنهاجي قد استطاع عبر سنوات طويلة أن يبني لنفسه مكانة خاصة داخل الأغنية الشعبية المغربية، فإن ذلك تحقق بفضل اجتهاده وحضوره الخاص وقدرته على فرض شخصيته وسط جيل مليء بالأسماء الثقيلة. أما الابن، فيبدو أنه لم يدرك بعد أن الجمهور لا يبحث عن “صنهاجي صغير”، بل عن فنان له بصمته الخاصة، حتى وإن أخطأ أو تعثر في البداية.

اللافت أيضاً أن مواقع التواصل الاجتماعي لم ترحم المتسابق الشاب، حيث تحولت ردود فعله بعد الإقصاء إلى مادة للتندر، خصوصاً بعدما ظهر وكأنه غير قادر على تقبل فكرة الخسارة بروح رياضية. وهنا تحديداً تكمن إحدى أزمات الجيل الجديد من أبناء الفنانين: كثير منهم يدخلون المجال الفني وهم مقتنعون مسبقاً أن الأضواء حق طبيعي، لا نتيجة مسار طويل من الصبر والتكوين والاحتكاك الحقيقي بالجمهور.

لكن، بعيداً عن السخرية، ربما تشكل هذه التجربة فرصة حقيقية لحمزة الصنهاجي كي يعيد التفكير في مشروعه الفني. فالفنانون الكبار لا يُولدون داخل أسماء عائلاتهم، بل يخرجون منها. والاستمرار في استنساخ الأب لن ينتج سوى نسخة باهتة، مهما كانت جودة الأصل.

في النهاية، لا أحد ينكر أن حمل اسم فني كبير قد يمنح صاحبه فرصة الظهور السريع، لكنه في المقابل يضعه تحت مجهر قاسٍ لا يرحم. والجمهور المغربي، الذي منح النجاح لعشرات الأصوات الجديدة القادمة من الهامش، أثبت مرة أخرى أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى لقب عائلي كي تعيش.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com