تفكيك شبكة تهريب مهاجرين بين الجزائر وإسبانيا.. عندما تتحول الهجرة غير النظامية إلى رافعة للجريمة المنظمة في غرب المتوسط
مجدي فاطمة الزهراء
لم تعد الهجرة غير النظامية في الفضاء المتوسطي مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر أو البحث عن فرص أفضل للعيش، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز التحديات الأمنية والجيوسياسية التي تواجه الدول الأوروبية ودول الضفة الجنوبية للمتوسط على حد سواء. وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان الإسباني عن تفكيك شبكة متخصصة في تهريب المهاجرين انطلاقا من السواحل الجزائرية نحو جنوب إسبانيا أهمية تتجاوز البعد الجنائي المباشر، ليكشف عن تطور خطير في طبيعة الشبكات العابرة للحدود التي باتت تجمع بين الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة وتبييض الأموال.
العملية الأمنية المشتركة التي نفذتها الشرطة الوطنية الإسبانية والحرس المدني في إقليم ألميريا جنوب البلاد وأسفرت عن توقيف تسعة أشخاص، تندرج ضمن سياق أوروبي متزايد القلق من تنامي المسارات البحرية غير النظامية القادمة من شمال أفريقيا، خاصة بعد التحولات التي شهدتها طرق الهجرة التقليدية خلال السنوات الأخيرة.
وتشير المعطيات الأولية للتحقيق إلى أن الشبكة لم تكن مجرد مجموعة محلية تنشط في تسهيل عبور المهاجرين، بل كانت جزءا من منظومة إجرامية أكثر تعقيدا تعتمد على توزيع الأدوار بين عناصر موجودة داخل الجزائر وأخرى مستقرة في الأراضي الإسبانية، بما يسمح بإدارة عمليات النقل والتموين والتمويل بصورة احترافية تشبه إلى حد بعيد أساليب عمل المنظمات الإجرامية العابرة للحدود.
ويكشف حجم المحجوزات التي أعلنت عنها السلطات الإسبانية، من أموال نقدية ومخدرات ومركبات وقوارب ووثائق مزورة، عن الترابط المتزايد بين شبكات الهجرة غير الشرعية والاقتصاد الموازي الذي يغذي الجريمة المنظمة في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. فهذه الشبكات لم تعد تعتمد فقط على عائدات نقل المهاجرين، بل أصبحت تنشط في مجالات متعددة تشمل الاتجار بالمخدرات وتزوير الوثائق وغسل الأموال، ما يضاعف من خطورتها الأمنية والاقتصادية.
ومن الناحية الجيوستراتيجية، تعكس هذه القضية تحولا لافتا في خريطة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. فبينما ظلت السواحل الليبية لسنوات طويلة تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية نحو القارة الأوروبية، بدأت بعض الشبكات الإجرامية في السنوات الأخيرة في استغلال السواحل الجزائرية كمسار بديل نحو إسبانيا، مستفيدة من طول الشريط الساحلي وصعوبة المراقبة الكاملة لبعض المناطق البحرية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بتقاطع الهجرة غير النظامية مع شبكات الجريمة العابرة للحدود، فضلا عن المخاطر الأمنية التي تفرضها التحركات غير الخاضعة للرقابة في الفضاء المتوسطي.
وتبرز هذه القضية أيضا إشكالية أخرى تتعلق بالعائدات المالية الضخمة التي تحققها شبكات التهريب. فوفق المعطيات التي كشفتها التحقيقات، تمكن الشخص المشتبه في قيادته للفرع الإسباني من تكوين ثروة تقدر بنحو نصف مليون يورو خلال أقل من سنة، عبر آليات معقدة لإخفاء مصادر الأموال واستخدام شركات واجهة ووسطاء. وهو ما يؤكد أن الاتجار بالبشر أصبح من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحية على المستوى الدولي، إلى جانب تجارة المخدرات والأسلحة.
وتدفع هذه المعطيات نحو إعادة النظر في المقاربة التقليدية للهجرة غير النظامية باعتبارها مجرد قضية إنسانية أو اجتماعية. فالتحدي اليوم أصبح متعدد الأبعاد، يجمع بين الأمن والتنمية والاقتصاد والجريمة المنظمة. ولذلك باتت الدول الأوروبية تعطي أولوية متزايدة لتفكيك البنية المالية واللوجستية للشبكات الإجرامية بدل الاقتصار على اعتراض القوارب أو تشديد المراقبة الحدودية.
كما تبرز هذه العملية الأمنية الحاجة إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي والقضائي بين دول الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، باعتبار أن الشبكات الإجرامية تستفيد من الفوارق القانونية والحدودية بين الدول لتوسيع أنشطتها وتفادي الملاحقة.
وفي المحصلة، فإن تفكيك هذه الشبكة لا يمثل مجرد نجاح أمني إسباني عابر، بل يكشف عن معركة أوسع تخوضها أوروبا وشركاؤها في جنوب المتوسط ضد اقتصاد إجرامي متنامٍ يقوم على استغلال هشاشة المهاجرين وتحويل معاناتهم إلى مصدر أرباح ضخمة. وهي معركة ستظل مرتبطة بقدرة الدول المعنية على بناء مقاربة شاملة تجمع بين التنمية والأمن والتعاون الإقليمي، وتستهدف ليس فقط نتائج الظاهرة، بل أيضا البنى الإجرامية التي تقف وراءها
::