عزيز سارت… حين تتحول الجالية المغربية في بلجيكا إلى بنك معلومات في سوق التشهير الرقمي
في زمنٍ أصبحت فيه “اللايفات” بديلاً عن محاضر الضابطة القضائية، و”التيك توك” منصةً موازية لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية، لم يعد المغاربة يتفاجؤون عندما يستيقظون على تسجيل صوتي جديد، أو “تسريب” يُقدَّم باعتباره فتحاً استخباراتياً خارقاً، قبل أن يتحول بعد ساعات إلى مادة للسخرية أو موضوعاً للتحقيق القضائي. لكن ما يجري اليوم حول هشام جيراندو، وما تفرع عنه من خيوط تمتد نحو بلجيكا وكندا وبعض الأوساط المغربية بالخارج، يتجاوز بكثير حدود “البوز” الرقمي أو التراشق المعتاد بين المؤثرين الهاربين من المساءلة القانونية.
القضية دخلت منعطفاً بالغ الحساسية بعدما قرر قاضي التحقيق لدى الغرفة الأولى بمحكمة الاستئناف بالرباط إيداع قاضي التحقيق بالمحكمة الزجرية عين السبع، المعروف بالأحرف الأولى “و.ط”، سجن العرجات، على خلفية تسجيلات صوتية منسوبة إليه مع هشام جيراندو، المقيم بكندا. وهي خطوة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء معزول، بل مؤشراً على أن الدولة بدأت تنظر بجدية إلى ما يجري داخل هذا “الاقتصاد الأسود للمعلومات” الذي نما في الظل، بين مهاجرين غاضبين، وصفحات فايسبوكية مشبوهة، ومنصات تبث الإشاعة تحت عنوان “كشف المستور”.

الأخطر في هذا الملف ليس فقط مضمون التسجيلات المتداولة، بل الشبكة غير الرسمية التي كانت تغذي هذا المحتوى بالمعلومات، أو بما يشبه المعلومات. هنا يبرز اسم عزيز سارت، المهاجر المغربي المقيم ببلجيكا، والذي ترددت معطيات حول وجود تواصل بينه وبين هشام جيراندو، مع الحديث عن تزويده بمعطيات تخص مغاربة بلجيكا وبعض الملفات المرتبطة بالجالية. وإذا صحّت هذه الادعاءات، فإن الأمر لا يتعلق بحرية تعبير كما يحاول البعض تسويقه، بل ببنية موازية لتجميع المعطيات الشخصية وتوظيفها في حملات تشهير أو تصفية حسابات عابرة للقارات.
المفارقة الساخرة، والتي تصلح وحدها لكتابة رواية سوداء عن عصر الرداءة الرقمية، أن بعض هؤلاء يقدّمون أنفسهم باعتبارهم “مدافعين عن المظلومين”، بينما يتحولون عملياً إلى أجهزة تنصت بدائية تعمل من المطابخ وغرف النوم، وتدير “تحقيقات صحفية” بمنطق: “أرسل المعلومة أولاً… ثم نبحث لاحقاً إن كانت صحيحة أم لا”. إنها عدالة “الواتساب”، حيث يصبح التسجيل الصوتي دليلاً دامغاً، والصورة المقتطعة حكماً نهائياً، والإشاعة مشروع إدانة جماعية.
لكن حين تصل خيوط هذه الممارسات إلى قاضٍ يشتغل داخل مؤسسة قضائية، فإن الأمر لم يعد مجرد فوضى رقمية، بل تهديد مباشر لهيبة العدالة نفسها. ولهذا تبدو خطوة إيداع القاضي المذكور السجن رسالة مزدوجة: أولاً، أن الدولة تعتبر تسريب المعطيات والتواصل غير المشروع مع منصات التشهير خطاً أحمر؛ وثانياً، أن “صحافة الابتزاز الرقمي” لم تعد تتحرك في منطقة رمادية خارج الرادار.
في بلجيكا، حيث تعيش جالية مغربية واسعة ومتشعبة، لم يعد خافياً أن بعض الأسماء تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وسطاء معلومات غير رسميين، يقتاتون على الخصومات الشخصية والانقسامات السياسية والعداوات داخل الجالية. هؤلاء لا يملكون مؤسسات إعلامية، ولا يخضعون لأي ميثاق أخلاقي، لكنهم يمتلكون شيئاً أكثر خطورة: جمهوراً غاضباً، سريع التصديق، ومدمناً على الفضائح.
ومن هنا تبرز ضرورة فتح تحقيق شامل وهادئ، لا بمنطق تصفية الحسابات، بل بمنطق حماية الحياة الخاصة للمواطنين وصون المؤسسات. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل كانت هناك علاقة تواصل بين هشام جيراندو وعزيز سارت؟ بل: كيف تحولت معطيات تخص أفراداً ومؤسسات وجاليات كاملة إلى سلعة رقمية تتنقل بين كندا وبلجيكا والهواتف المغربية بهذه السهولة؟ ومن المستفيد من تحويل الجالية المغربية بالخارج إلى خزان دائم للشائعات والتسجيلات والتسريبات؟
المغرب، مثل كثير من الدول، يواجه اليوم شكلاً جديداً من الفوضى: ليست فوضى الشارع، بل فوضى “اللايف”. وهي أخطر أحياناً، لأنها ترتدي قناع الحقيقة، وتتغذى على انعدام الثقة، وتستثمر في الفضول الجماعي. أما حين يختلط فيها مؤثرون، ومهاجرون غاضبون، وأشخاص من داخل مؤسسات حساسة، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد “ترند” عابر.
لقد دخل الملف مرحلة تستوجب أكثر من المتابعة القضائية العابرة. إنها لحظة اختبار حقيقية: هل تستطيع الدولة تفكيك شبكات التشهير الرقمية العابرة للحدود؟ وهل يمكن التمييز بين حرية التعبير والاتجار المنظم في السمعة والمعطيات الشخصية؟ أم أننا أمام جيل جديد من “السماسرة الرقميين” الذين اكتشفوا أن أخطر سلطة اليوم ليست سلطة المال ولا السياسة… بل سلطة الميكروفون المفتوح واللايف الليلي؟