نحو هيئة تمثيلية شرعية للمسلمين في بلجيكا: بين مقتضيات الدولة الدستورية وضرورات الشرعية المجتمعية

بقلم: بوشعيب البازي

شكّل قرار وزيرة العدل البلجيكية بعدم منح الاعتراف النهائي لجمعية “المجلس الإسلامي البلجيكي” (CMB) محطة جديدة في مسار طويل من إعادة التفكير في آليات تنظيم الشعائر الإسلامية داخل بلجيكا. فالقرار، الذي لقي ترحيبًا من الهيئة التنفيذية للمسلمين في بلجيكا، لا يمكن اختزاله في مجرد إجراء إداري أو خلاف مؤسساتي، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمفهوم الشرعية التمثيلية داخل مجتمع ديني متنوع، وبكيفية التوفيق بين مقتضيات الدولة الديمقراطية ومتطلبات استقلالية المؤسسات الدينية.

على امتداد أكثر من عقدين، ظل ملف تمثيل المسلمين في بلجيكا يراوح مكانه بين محاولات الإصلاح والتدخلات الإدارية المتكررة، في وقت تغيرت فيه البنية السوسيولوجية للجالية المسلمة بشكل جذري. فالإسلام في بلجيكا لم يعد يعكس واقعًا أحاديًا، بل أصبح فضاءً متعدد المرجعيات الفقهية والثقافية واللغوية، الأمر الذي يجعل أي محاولة لفرض هيئة تمثيلية من أعلى، دون سند مجتمعي واسع، محكومة بالفشل منذ البداية.

وفي هذا السياق، اعتبرت الهيئة التنفيذية للمسلمين أن قرار الوزيرة يمثل فرصة لإعادة بناء نموذج أكثر انسجامًا مع المبادئ الدستورية البلجيكية، خاصة مبدأ استقلالية الشعائر الدينية وحرية التنظيم الداخلي للطوائف المعترف بها.

أزمة الشرعية قبل أزمة الاعتراف

البيان الصادر عن مكتب الهيئة التنفيذية لم يكتف بالترحيب بالقرار، بل وجّه انتقادات مباشرة للأساس الذي قامت عليه جمعية “المجلس الإسلامي البلجيكي”. فبحسب البيان، فإن الجمعية انطلقت من دائرة ضيقة للغاية لم تتجاوز أربعة أشخاص، وهو ما يطرح، من منظور الحوكمة المؤسساتية، سؤالًا جوهريًا حول مدى توفرها على الشرعية الديمقراطية اللازمة لتمثيل مئات الآلاف من المسلمين المنتشرين في مختلف الأقاليم البلجيكية.

كما شكك البيان في الأرقام التي وردت في التقرير الملكي بشأن نسبة المساجد المنخرطة في الجمعية، معتبرًا أن الحديث عن تمثيل يتراوح بين 60 و78 في المائة لا يعكس الواقع الميداني، وأن عدد المساجد الداعمة فعليًا لا يتجاوز مئة مسجد، بينما استمرت مساجد أخرى في الاحتفاظ بعلاقات إدارية معها لأسباب قانونية أو تنظيمية، وليس باعتبارها ممثلًا شرعيًا للمسلمين.

وهنا تبرز إحدى الإشكالات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي؛ فالعلاقة القانونية لا تعني بالضرورة وجود شرعية سياسية أو اجتماعية. فالمؤسسات الدينية، بخلاف الإدارات العمومية، تستمد قوتها أساسًا من ثقة القواعد التي تمثلها، وليس من مجرد الاعتراف الإداري.

التمثيلية الدينية في أوروبا… منطق الدولة وحدوده

تواجه معظم الدول الأوروبية معضلة تنظيم العلاقة مع المؤسسات الإسلامية. فبينما تسعى الحكومات إلى إيجاد مخاطب رسمي يمثل المسلمين، فإن طبيعة الإسلام اللامركزية تجعل إنتاج مثل هذه المرجعية عملية معقدة، بخلاف الكنائس التقليدية ذات الهياكل الهرمية الواضحة.

وفي الحالة البلجيكية، يبدو أن التجارب السابقة أثبتت أن الشرعية لا يمكن صناعتها بقرار وزاري أو بتعيين إداري، وإنما تنبع من المجتمع المسلم نفسه، عبر آليات انتخابية شفافة تضمن تمثيل مختلف الحساسيات الدينية والثقافية واللغوية.

ولهذا السبب، يكتسب إعلان لجنة التجديد عن دعم أكثر من مئتي مسجد أهمية خاصة، ليس من زاوية الأرقام فقط، وإنما باعتباره مؤشرًا على وجود رغبة داخل جزء واسع من المؤسسات الإسلامية في تجاوز منطق الوصاية الإدارية نحو نموذج يقوم على المشاركة والتمثيل الديمقراطي الحقيقي.

الأمن المجتمعي يبدأ من الثقة

في السياق الأوروبي الراهن، حيث تتزايد النقاشات حول الاندماج والوقاية من التطرف وتعزيز التماسك الاجتماعي، أصبحت مسألة تمثيل المسلمين قضية تتجاوز الإطار الديني لتلامس الأمن المجتمعي والاستقرار المؤسسي.

فالهيئة التمثيلية التي تحظى بثقة قواعدها تكون أكثر قدرة على إدارة شؤون المساجد، وتأهيل الأئمة، وتنظيم التعليم الديني، والتفاعل الإيجابي مع مؤسسات الدولة، مقارنة بهيئة تفتقر إلى الاعتراف المجتمعي حتى وإن حظيت باعتراف إداري.

ومن منظور جيوستراتيجي، فإن بناء مؤسسات دينية مستقلة وذات شرعية داخلية يحد أيضًا من تأثير التدخلات الخارجية، ويعزز نموذج “الإسلام الأوروبي” القائم على احترام القوانين الوطنية مع الحفاظ على الخصوصية الدينية والثقافية للمسلمين.

فرصة لإعادة تأسيس العلاقة

إن المرحلة الحالية تضع جميع الأطراف أمام مسؤولية تاريخية. فالدولة البلجيكية مطالبة بالابتعاد عن منطق صناعة الشريك المؤسساتي، والتركيز على ضمان شروط الشفافية والحياد واحترام الدستور، فيما تقع على عاتق الفاعلين المسلمين مسؤولية إنتاج هيئة تمثيلية تستمد مشروعيتها من الانتخابات والانخراط الطوعي والثقة المجتمعية.

إن مستقبل تنظيم الشعائر الإسلامية في بلجيكا لن يُحسم عبر المراسيم أو القرارات الإدارية وحدها، بل عبر بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع المسلم، يقوم على الاستقلالية، والتمثيل الديمقراطي، واحترام التعددية الداخلية.

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس شرعية المؤسسات بعدد الوثائق التي تحملها، وإنما بقدرتها على أن تكون صوتًا حقيقيًا لمن تدّعي تمثيلهم، وأن تعكس التنوع والغنى اللذين يميزان الإسلام في بلجيكا اليوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com