محاولة انتحار داخل مركز الرعاية الاجتماعية بمولنبيك… عندما تتحول الهشاشة الاجتماعية إلى تحدٍّ للأمن الإنساني

أمينة بنزعري

لم تكن الحادثة التي شهدها المركز العمومي للعمل الاجتماعي (CPAS) ببلدية مولنبيك في بروكسل مجرد واقعة أمنية عابرة، بل شكلت جرس إنذار جديدًا بشأن التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجهها المدن الأوروبية في ظل تزايد أعداد الأشخاص الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة التعقيد.

فقد أقدم رجل في الستينيات من عمره، من أصول سورية، يوم الخميس، على سكب البنزين على جسده داخل مقر المركز الاجتماعي، في محاولة لوضع حد لحياته، بعد أن أبدى حالة من الانفعال والعدوانية. ولولا التدخل السريع لشرطيين كانا متواجدين بعين المكان، لتحولت الواقعة إلى مأساة كان من الممكن أن تهدد حياة الرجل وحياة الموظفين والمرتفقين على حد سواء.

وتفيد المعطيات الأولية بأن الرجل انتقل حديثًا للإقامة في مولنبيك، وكان بصدد استكمال إجراءات الحصول على بطاقة العلاج ومخصصات الاندماج الاجتماعي. وبحسب إدارة المركز، فإن ملفه كان يُعالج وفق المساطر القانونية المعمول بها، غير أن المعني بالأمر اعتبر أن الإجراءات تستغرق وقتًا أطول مما يحتمله وضعه الاجتماعي والنفسي، وطالب بالحصول الفوري على المساعدات المالية. كما أشارت المصادر ذاتها إلى أنه سبق أن زار المركز عدة مرات خلال الأسابيع الماضية، وكان سلوكه يوصف بالمتوتر والتهديدي.

غير أن قراءة هذه الحادثة من زاوية أمنية فقط ستكون قراءة ناقصة.

فالواقعة تكشف عن أزمة أكثر عمقًا تتعلق بتقاطع الهشاشة الاجتماعية مع الاضطرابات النفسية، في وقت أصبحت فيه المؤسسات الاجتماعية في أوروبا مطالبة بالتعامل مع ملفات تتجاوز مجرد تقديم المساعدات المالية، لتشمل مواكبة أشخاص يحملون آثار الحروب والنزوح واللجوء والفقر والعزلة النفسية.

لقد تحولت المراكز العمومية للعمل الاجتماعي إلى خط الدفاع الأول في مواجهة تداعيات الأزمات الدولية، سواء تعلق الأمر بالحروب، أو موجات الهجرة، أو الارتفاع غير المسبوق في تكاليف المعيشة، أو أزمة السكن التي تعرفها معظم العواصم الأوروبية. ولم تعد هذه المؤسسات تؤدي وظيفة إدارية فحسب، بل أصبحت تضطلع بدور استراتيجي في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع تفكك النسيج المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التمييز بين الإحساس المشروع بالاستعجال الذي يشعر به الشخص الموجود في وضعية هشاشة، وبين الإكراهات القانونية والإدارية التي تحكم عمل المؤسسات العمومية. فموظفو مراكز الرعاية الاجتماعية لا يملكون صلاحية تجاوز المساطر القانونية أو منح المساعدات خارج الإطار الذي يضمن المساواة بين جميع المستفيدين. غير أن هذا المنطق الإداري يصطدم أحيانًا بواقع إنساني لا يعترف بالمواعيد ولا ينتظر اكتمال الإجراءات.

وتؤكد هذه الواقعة أيضًا أن الصحة النفسية أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية في أوروبا. فالكثير من الأشخاص الذين يعانون من صدمات نفسية أو من أوضاع اجتماعية قاسية قد يجدون أنفسهم في لحظة يأس تدفعهم إلى اتخاذ قرارات مأساوية، لا تهدد حياتهم فحسب، بل قد تعرض سلامة الآخرين للخطر أيضًا.

ولا ينبغي في هذا السياق إغفال الدور الذي يقوم به العاملون في مراكز الرعاية الاجتماعية، الذين يواجهون يوميًا حالات معقدة تتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والخبرة والقدرة على احتواء الأزمات. كما أن تدخل عناصر الشرطة في الوقت المناسب يعكس أهمية التنسيق بين مختلف المؤسسات العمومية في إدارة مثل هذه المواقف الحساسة.

إن الحادث الذي شهدته مولنبيك ليس مجرد محاولة انتحار تم إحباطها، بل هو مرآة تعكس حجم الضغوط التي تعيشها المؤسسات الاجتماعية الأوروبية في زمن الأزمات المتلاحقة. وهو يفرض إعادة التفكير في كيفية تعزيز منظومات المواكبة النفسية والاجتماعية، وتوفير آليات أكثر سرعة وفعالية للتعامل مع الحالات الإنسانية المستعجلة، دون المساس في الوقت نفسه بمبدأ احترام القانون والمساواة بين المواطنين.

فخلف كل ملف إداري قصة إنسان، وخلف كل أزمة اجتماعية سؤال كبير حول قدرة الدولة الحديثة على التوفيق بين صرامة القانون وواجب التضامن الإنساني. وبين هذين البعدين يتحدد مستقبل النموذج الاجتماعي الأوروبي، الذي لن يقاس فقط بحجم المساعدات التي يقدمها، بل بقدرته على حماية الإنسان قبل أن يتحول اليأس إلى مأساة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com