Les amis du Maroc : من بروكسل إلى أنتويرب ثم لييج: هل تسافر الأفكار أم تسافر الوجوه فقط؟
في عالم العمل الجمعوي، يفترض أن تكون الجغرافيا وسيلة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين. غير أن بعض المبادرات تثير أحياناً فضول المتابعين أكثر مما تقدم أجوبة لأسئلتهم. وهذا بالضبط ما يحدث مع اللقاءات المتكررة التي تنظمها جمعية “Les Amis du Maroc” في عدد من المدن البلجيكية.
بروكسل، ثم أنتويرب، ثم لييج. تتغير القاعة، وتتغير المدينة، لكن المتابع يكاد يشعر بأن المشهد نفسه يعاد بثه في حلقة لا تنتهي. الوجوه ذاتها، الحضور نفسه تقريباً، الخطاب نفسه، الصور التذكارية نفسها، وحتى العبارات المتداولة تبدو وكأنها خرجت من النسخة الأصلية ذاتها مع تغيير بسيط في عنوان المناسبة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس متعلقاً بحق الجمعية في تنظيم أنشطتها، فذلك حق مشروع ومكفول، بل يتعلق بجدوى هذه اللقاءات وأهدافها الفعلية. فإذا كان المقصود هو التواصل مع مغاربة العالم، فلماذا لا تتجدد النخب المشاركة؟ ولماذا لا تظهر وجوه جديدة تعكس التنوع الحقيقي للجالية المغربية في بلجيكا؟ وإذا كان الهدف هو الدفاع عن المصالح العليا للمغرب وقضاياه الاستراتيجية، فلماذا تبدو الرسائل متكررة إلى حد يجعل الحضور أنفسهم يحفظونها عن ظهر قلب؟
في العلوم السياسية، يعتبر تكرار الرسالة وسيلة للتأثير. أما في علم الاتصال، فإن إعادة إنتاج الجمهور نفسه مراراً وتكراراً لا تعني بالضرورة توسيع دائرة التأثير، بل قد تعني العكس تماماً: الانغلاق داخل دائرة مغلقة من المقتنعين أصلاً.
ومن منظور جيوستراتيجي، فإن الجاليات المقيمة بالخارج أصبحت أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدول. لذلك فإن أي نشاط يستهدف أفراد الجالية ينبغي أن يقاس بقدرته على توسيع شبكة التأثير واستقطاب فاعلين جدد، لا بمجرد إعادة تجميع الأشخاص أنفسهم في مدن مختلفة وكأن الأمر يتعلق بجولة فنية متنقلة أكثر منه مشروعاً مجتمعياً.
الأكثر إثارة للتساؤل هو أن النقاش حول هذه اللقاءات لم يعد يقتصر على مضمونها، بل امتد إلى طبيعة الموارد التي تسمح باستمرار هذا النشاط المكثف. فمن حق الرأي العام الجمعوي أن يتساءل عن مصادر التمويل وآليات صرفه ومدى شفافيته، ليس لأن هناك دليلاً على وجود أي مخالفة، بل لأن الشفافية هي القاعدة الأساسية التي تمنح أي مؤسسة مصداقيتها أمام الجمهور.
وفي التجارب الديمقراطية الحديثة، لا يطرح سؤال التمويل باعتباره اتهاماً، بل باعتباره واجباً من واجبات الحكامة الجيدة. فكلما زادت الشفافية، تراجعت الشائعات. وكلما غابت المعطيات الدقيقة، توسعت مساحة التأويلات.
ومن المفارقات أن بعض المشاركين في هذه اللقاءات يبدون أكثر اهتماماً بالتقاط الصور وتبادل المجاملات من اهتمامهم بطرح الأسئلة الجوهرية: ما هي الحصيلة الفعلية لهذه الجولات؟ ما هي التوصيات التي خرجت بها؟ وما هي المشاريع الملموسة التي تحققت لفائدة الجالية المغربية بعد سنوات من الاجتماعات والندوات؟
إن قوة أي جمعية لا تقاس بعدد الكراسي المملوءة في القاعة، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي في محيطها. أما الانتقال من مدينة إلى أخرى مع الاحتفاظ بالجمهور نفسه والخطاب نفسه والصور نفسها، فإنه قد يمنح انطباعاً بالحركة، لكنه لا يقدم بالضرورة دليلاً على الفعالية.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام دينامية جمعوية حقيقية تستهدف مغاربة العالم، أم أمام نشاط دائري يدور حول نفسه، حيث تتغير المدن بينما يبقى المشهد ثابتاً؟ وحدها الشفافية الكاملة، وتجديد النخب المشاركة، وتقديم حصيلة قابلة للقياس، كفيلة بتحويل هذه التساؤلات من مادة للجدل إلى قصة نجاح يمكن للجميع الاقتناع بها.
:::