إقالة عبد العزيز سارت من “مغرب الغد”.. عندما تتحول أخلاقيات النضال الرقمي إلى قضية أمن مجتمعي
حنان الفاتحي
لم يعد الجدل الدائر داخل حركة “مغرب الغد” مجرد خلاف تنظيمي عابر بين قيادات وأعضاء، بل تحول إلى قضية تطرح أسئلة جوهرية حول أخلاقيات العمل المدني وحدود المسؤولية القانونية في عصر المنصات الرقمية العابرة للحدود.
فبحسب البلاغ المتداول المنسوب إلى ما يسمى بـ”الحركة التصحيحية” داخل التنظيم، جاء قرار إبعاد عبد العزيز سارت من هياكل الحركة على خلفية اتهامات تتعلق بالتشهير وتزويد قناة تحدي و خصوصا المبحوث عنه هشام جيراندو بمعطيات تخص أفراداً من الجالية المغربية المقيمة ببلجيكا، وهي اتهامات ترى قيادات داخل الحركة أنها تمس بصورة التنظيم ومبادئه المؤسسة.
وتكتسي هذه القضية حساسية خاصة بالنظر إلى ارتباطها باسم هشام جيراندو، صاحب منصة “تحدي”، الذي ظل خلال السنوات الأخيرة موضوع جدل واسع داخل الأوساط المغربية بسبب طبيعة المحتوى الذي ينشره واستهدافه المتكرر لشخصيات ومؤسسات وأفراد داخل المغرب وخارجه.
من الخلاف التنظيمي إلى سؤال الأمن المعلوماتي
بعيداً عن التجاذبات الشخصية، تكشف هذه القضية عن إشكالية أكثر عمقاً تتعلق بحماية المعطيات الشخصية للمواطنين المغاربة المقيمين بالخارج.
ففي السياق الأوروبي، وخاصة في بلجيكا، تخضع البيانات الشخصية لمقتضيات قانونية صارمة بموجب التشريعات الأوروبية المتعلقة بحماية الحياة الخاصة. وأي تداول غير مشروع لمعلومات تخص أفراداً أو عائلات يمكن أن يثير تبعات قانونية وأخلاقية تتجاوز حدود الخلافات السياسية أو الجمعوية.
لهذا السبب، يبدو أن جزءاً من النقاش داخل “مغرب الغد” لم يعد مرتبطاً فقط بالانضباط التنظيمي، بل بمسؤولية الفاعلين المدنيين تجاه أمن المعلومات وثقة المنخرطين والمتعاطفين.
الجالية المغربية في أوروبا بين الاستقطاب والاستهداف
تأتي هذه التطورات في ظرفية تعرف فيها الجالية المغربية بأوروبا حضوراً متزايداً في النقاشات السياسية والإعلامية المرتبطة بالمغرب.
وقد أفرز هذا الحضور، في المقابل، شبكات تأثير رقمية موازية أصبحت تستثمر الخلافات الفردية والجماعية لإنتاج محتوى مثير للجدل يحقق انتشاراً واسعاً على المنصات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تعتبر العديد من النخب المدنية أن تسريب معلومات أو معطيات تخص أفراد الجالية إلى جهات تنشط في هذا المجال يمثل تجاوزاً لخطوط حمراء تمس سلامة الأشخاص وعائلاتهم قبل أن تمس صورة التنظيمات نفسها.
انتصار المؤسسة على الأفراد
من خلال المعطيات المتداولة، يبدو أن القيادة الحالية لـ”مغرب الغد” أرادت توجيه رسالة واضحة مفادها أن الانتماء إلى أي إطار مدني أو سياسي يظل مشروطاً باحترام أخلاقيات العمل الجماعي والقوانين الداخلية.
فالرهان الحقيقي أمام الحركات المدنية الحديثة لم يعد يقتصر على استقطاب الأنصار أو تحقيق الحضور الإعلامي، بل يتمثل في بناء ثقافة مؤسساتية قادرة على حماية أعضائها وصون مصداقيتها أمام الرأي العام.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة قرار إبعاد عبد العزيز سارت باعتباره محاولة لإعادة رسم الحدود بين حرية التعبير المشروعة وبين الممارسات التي ترى الحركة أنها تضر بالأفراد وبسمعة التنظيم.
تداعيات تتجاوز “مغرب الغد”
لا تقتصر أهمية هذه القضية على مستقبل الحركة نفسها، بل تعكس تحولات أوسع يشهدها الفضاء المدني المغربي في الداخل والخارج.
فكلما ازداد تأثير الفاعلين الرقميين، ازدادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحكم العلاقة بين النشاط الإعلامي والالتزام الأخلاقي وحماية المعطيات الشخصية. كما أصبحت التنظيمات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير آليات داخلية للرقابة والحكامة تمنع توظيف الخلافات الشخصية في تصفية الحسابات أو الإضرار بالأفراد.
وفي النهاية، فإن أي تنظيم يطمح إلى لعب دور مؤثر في المجال العام لا يُقاس فقط بشعاراته أو بخطابه السياسي، بل بقدرته على حماية أعضائه واحترام المعايير القانونية والأخلاقية التي تمنحه الشرعية.