القنصلية العامة المغربية بلييج تعزز سياسة القرب عبر قنصلية متنقلة لفائدة الجالية
بوشعيب البازي
في سياق التحولات العميقة التي تشهدها الإدارة المغربية في علاقتها مع المواطنين المقيمين بالخارج، تبرز القنصليات المتنقلة باعتبارها إحدى الآليات الحديثة التي تجسد فلسفة “الإدارة المواطنة” القائمة على تقريب الخدمات العمومية من المرتفقين، وتعزيز جودة الأداء الإداري، وتكريس البعد الإنساني في العمل القنصلي.
وفي هذا الإطار، نظمت القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة لييج البلجيكية قنصلية متنقلة بفارسيان تحت إشراف القنصل العام، السيدة نجاح ديمو، في مبادرة تعكس الإرادة المؤسساتية الرامية إلى الاستجابة الفعالة لاحتياجات أفراد الجالية المغربية المقيمة بمختلف المناطق التابعة للدائرة القنصلية.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى ما تعرفه الجالية المغربية المقيمة بالخارج من توسع ديمغرافي وجغرافي، الأمر الذي يجعل من تقريب الخدمات القنصلية ضرورة استراتيجية تتجاوز البعد الإداري التقليدي نحو تكريس مفهوم جديد للدبلوماسية القنصلية، قوامه الإنصات، والمواكبة، والاستجابة السريعة لتطلعات المواطنين.

وتوجت هذه المبادرة القنصلية المتنقلة بتقديم خدماتها لفائدة أزيد من 400 مواطن ومواطنة من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالدائرة القنصلية التابعة للييج، ما يعكس حجم الإقبال والثقة التي تحظى بها هذه المقاربة القربوية. وقد تمكنت الفرق القنصلية من الاستجابة لمختلف الطلبات المرتبطة بتسليم جوازات السفر البيومترية، والبطاقات الوطنية للتعريف الإلكترونية، والوثائق الإدارية المختلفة، وإنجاز المعاملات العدلية وتسليم عقود الازدياد، فضلاً عن تقديم مواكبة شخصية للمواطنين في مجال حجز المواعيد الإلكترونية، بما يساهم في تقليص الفجوة الرقمية وضمان ولوج عادل ومنصف إلى الخدمات القنصلية لفائدة جميع أفراد الجالية المغربية
ولم تقتصر هذه المبادرة على الجانب الإداري فحسب، بل امتدت لتشمل مواكبة شخصية للمواطنين في ما يتعلق بحجز المواعيد عبر المنصات الرقمية، في خطوة تعكس وعياً متزايداً بأهمية تقليص الفجوة الرقمية داخل أوساط الجالية المغربية بفارسيان، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات القنصلية، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة أو الأقل إلماماً بالتقنيات الحديثة.
هذا وتشكل هذه المبادرات الميدانية امتداداً للرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي ما فتئت تؤكد على ضرورة الارتقاء بالخدمات المقدمة للمغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارهم رصيداً استراتيجياً للمملكة وشريكاً أساسياً في مسار التنمية الوطنية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب.

لقد أصبحت الدبلوماسية القنصلية اليوم أحد المؤشرات الأساسية لقياس فعالية الدولة في تدبير علاقتها بجالياتها بالخارج. وفي الحالة المغربية، لم تعد القنصليات مجرد فضاءات لإنجاز الوثائق الإدارية، بل تحولت إلى مؤسسات مواطنة تضطلع بأدوار اجتماعية وتنموية وثقافية، بما يعزز شعور الانتماء لدى أفراد الجالية ويحافظ على روابطهم المتينة بالوطن الأم.
إن نجاح تجربة القنصلية المتنقلة بمدينة فارسيان التي نظمتها القنصلية العامة المغربية بلييج يؤكد أن تحديث الإدارة العمومية لا يرتبط فقط برقمنة الخدمات وتبسيط المساطر، وإنما يتجسد أيضاً في قدرة المؤسسات على النزول إلى الميدان، والاستماع المباشر إلى المواطنين، وتقديم حلول عملية تستجيب لانتظاراتهم اليومية.
وفي ظل التحديات المرتبطة بالحركية البشرية الدولية وتزايد متطلبات الجاليات المغربية عبر العالم، تبدو الدبلوماسية القربوية التي تنهجها المملكة خياراً استراتيجياً يعزز الثقة بين المواطن والإدارة، ويرسخ صورة المغرب كدولة تضع مواطنيها، أينما وجدوا، في صلب أولوياتها التنموية والمؤسساتية.
إن القنصلية المتنقلة بفارسيان ليست مجرد عملية إدارية عابرة، بل هي تجسيد عملي لفلسفة جديدة في تدبير الشأن القنصلي، عنوانها القرب، والنجاعة، والإنصات، بما يعكس التحول الذي تشهده الدبلوماسية المغربية نحو نموذج أكثر حداثة وإنسانية، قادر على مواكبة تطلعات جالية تضطلع بأدوار متنامية في تعزيز الحضور المغربي على الساحة الدولية.