محمد وهبي… مهندس التكوين وصانع التحول التكتيكي في كرة القدم المغربية

بوشعيب البازي

في مسار التحولات التي تعرفها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، لم تعد أسماء المدربين تقاس فقط بعدد الألقاب أو النتائج الآنية، بل أصبحت تقاس بقدرتها على بناء مشروع رياضي متكامل، وإنتاج أجيال قادرة على ضمان الاستمرارية. وفي هذا السياق، برز اسم محمد وهبي باعتباره أحد أبرز الوجوه التي تعكس فلسفة جديدة في التدريب، تقوم على التكوين العلمي، والانضباط التكتيكي، والاستثمار في العنصر البشري قبل البحث عن الألقاب.

لقد أفرزت النهضة التي تعيشها كرة القدم المغربية جيلاً جديداً من الأطر التقنية التي جمعت بين الخبرة الأوروبية والانتماء الوطني، وكان محمد وهبي من أبرز ممثلي هذا التوجه. فالرجل لا ينظر إلى التدريب باعتباره إدارة لمباراة تستغرق تسعين دقيقة، وإنما يعتبره مشروعاً تربوياً وتكوينياً يمتد لسنوات، هدفه إعداد لاعب متكامل تقنياً وذهنياً وإنسانياً.

من التكوين التربوي إلى الاحتراف الرياضي

ولد محمد وهبي في بروكسل لعائلة مغربية تنحدر من مدينة الناظور، ونشأ داخل البيئة الرياضية البلجيكية التي تعد من أكثر المنظومات الأوروبية اهتماماً بتكوين اللاعبين الصغار. وقبل أن يلج عالم التدريب، مارس مهنة التعليم، وهي تجربة تركت أثراً واضحاً في شخصيته المهنية، إذ اكتسب خلالها مهارات التواصل والتأطير وفهم الخصائص النفسية للأطفال والمراهقين.

ولم يكن انتقاله إلى التدريب مجرد تغيير في المسار المهني، بل امتداداً طبيعياً لفلسفة تقوم على التربية قبل المنافسة، وعلى بناء الإنسان قبل صناعة اللاعب. ولذلك جاءت بداياته داخل مراكز تكوين نادي أندرلخت البلجيكي، حيث راكم تجربة طويلة في تأطير الفئات السنية، وأسهم في تطوير عدد من المواهب التي شقت طريقها لاحقاً نحو الاحتراف.

لقد وفرت له المدرسة البلجيكية فرصة الاحتكاك بأحدث المناهج التدريبية الأوروبية، القائمة على التحليل العلمي للأداء، والتخطيط بعيد المدى، وربط العمل التقني بالجانب النفسي والتربوي، وهي عناصر ستشكل لاحقاً جوهر شخصيته التدريبية.

مدرسة تكتيكية حديثة

لا ينتمي محمد وهبي إلى المدارس الكروية التقليدية التي تفضل الدفاع المطلق أو الاستحواذ العقيم، بل يعتمد فلسفة أكثر توازناً تنسجم مع متطلبات كرة القدم الحديثة.

فأسلوبه يقوم على الضغط العالي لاستعادة الكرة في أسرع وقت ممكن، والانتقال السريع من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، مع المحافظة على التنظيم الجماعي في مختلف مراحل اللعب. كما يمنح لاعبيه هامشاً واسعاً للإبداع داخل إطار تكتيكي منضبط، بما يحقق التوازن بين الحرية الفردية والانضباط الجماعي.

ولا تقتصر رؤيته على الجانب الخططي فقط، بل تمتد إلى التفاصيل الدقيقة التي أصبحت تحسم المنافسة في كرة القدم المعاصرة، مثل قراءة المساحات، وجودة التمركز، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التكيف مع مجريات المباراة.

ومن هنا يمكن فهم اهتمامه الكبير بالتحليل الرقمي والإحصائي، والاستفادة من تقنيات تحليل الفيديو، والعمل ضمن طاقم متعدد الاختصاصات يضم معدين بدنيين ومحللين نفسيين وتقنيين، بما يجعل عملية الإعداد عملاً مؤسساتياً متكاملاً، لا مجرد اجتهاد فردي للمدرب.

مشروع لبناء الإنسان قبل اللاعب

أحد أهم عناصر تميز تجربة محمد وهبي يتمثل في اقتناعه بأن النجاح الرياضي لا يصنعه اللاعب الموهوب وحده، وإنما تصنعه الشخصية القادرة على تحمل الضغط، والانضباط، والعمل الجماعي، والتطور المستمر.

ولهذا يولي أهمية خاصة للجانب الذهني، ويحرص على غرس ثقافة المسؤولية والثقة بالنفس داخل المجموعة، مع ترسيخ قيم احترام المنافس دون الخضوع له، والإيمان بإمكانية الفوز مهما كانت قوة الخصم.

كما يعتمد أسلوباً تواصلياً يقوم على الحوار والثقة المتبادلة، وهو ما يساعد على بناء علاقة مهنية متوازنة مع اللاعبين، خاصة أولئك الذين نشأوا في بيئات ثقافية مختلفة داخل أوروبا. وقد مكنته خلفيته الثنائية، المغربية والبلجيكية، من فهم خصوصيات اللاعبين مزدوجي الجنسية، والتعامل مع تطلعاتهم وهواجسهم بلغة قريبة من واقعهم.

انسجام مع المشروع الكروي المغربي

يصعب قراءة تجربة محمد وهبي بمعزل عن التحول الهيكلي الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير، حيث أصبح التكوين ركيزة أساسية للاستراتيجية الوطنية، مدعوماً باستثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتطوير مراكز التكوين، والارتقاء ببرامج الفئات السنية.

وفي هذا الإطار، شكلت الكفاءات المغربية العاملة في الخارج قيمة مضافة للمشروع الوطني، إذ ساهمت في نقل الخبرات الأوروبية وتكييفها مع خصوصية اللاعب المغربي، وهو ما جعل محمد وهبي واحداً من أبرز الأسماء التي جسدت هذا التوجه.

فالمدرب المغربي لم يكتف بتطبيق نماذج تدريبية مستوردة، بل عمل على مواءمتها مع الخصائص التقنية والبدنية والثقافية للاعب المغربي، بما يحقق التوازن بين الهوية الكروية الوطنية ومتطلبات المنافسة الدولية.

صناعة الاستمرارية

تؤكد التجارب الكروية العالمية أن المنتخبات الكبرى لا تبنى من خلال جيل استثنائي واحد، بل عبر منظومة قادرة على إنتاج المواهب بشكل متواصل. ومن هذا المنطلق، ينظر محمد وهبي إلى الفئات السنية باعتبارها الحلقة الأكثر حسماً في أي مشروع رياضي ناجح.

فهو يركز على توسيع قاعدة الاختيار، وإعداد لاعبين قادرين على الانتقال تدريجياً نحو المستويات العليا، بما يضمن استمرارية الأداء التنافسي للمنتخبات الوطنية، ويجنبها الارتباط المؤقت بأسماء بعينها.

وتنسجم هذه الرؤية مع أحدث النظريات في إدارة الأداء الرياضي، التي تعتبر أن الاستثمار في التكوين هو الضامن الحقيقي للاستقرار الفني على المدى الطويل.

تحديات المستقبل

ورغم المؤشرات الإيجابية التي ترافق مسيرته، فإن التحديات المقبلة تبدو أكثر تعقيداً. فارتفاع سقف انتظارات الجماهير المغربية، وتسارع تطور كرة القدم العالمية، واشتداد المنافسة داخل القارة الإفريقية، كلها عوامل تفرض على أي إطار تقني مواصلة التعلم والتطوير، والابتعاد عن الاكتفاء بما تحقق.

كما أن نجاح أي مشروع تكويني يقاس بقدرته على إنتاج نتائج مستدامة، من خلال ضمان انتقال سلس للمواهب بين مختلف الفئات العمرية، وصولاً إلى المنتخب الأول، وهو ما يمثل أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة.

رؤية تتجاوز حدود التدريب

لم يعد محمد وهبي مجرد مدرب للفئات السنية، بل أصبح يمثل نموذجاً لجيل جديد من الأطر المغربية التي تؤمن بأن كرة القدم مشروع حضاري يقوم على المعرفة والبحث العلمي والتخطيط طويل المدى.

ففي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا والبيانات والتحليل العلمي جزءاً أساسياً من صناعة القرار الرياضي، تبدو تجربة وهبي دليلاً على أن مستقبل كرة القدم المغربية لن يصنعه الاعتماد على الموهبة وحدها، وإنما منظومة متكاملة تجعل من التكوين المستدام والاستثمار في الإنسان قاعدة لكل نجاح.

ومن هذا المنظور، يبرز محمد وهبي باعتباره أحد الوجوه التي تعكس التحول العميق الذي تعرفه الكرة المغربية، ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث فلسفة العمل، وثقافة الأداء، والإيمان بأن بناء الأبطال يبدأ قبل سنوات طويلة من صعودهم إلى منصات التتويج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com