دخلت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة مرحلة مختلفة، انتقلت فيها من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء إطار أكثر انتظاماً للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني. غير أن أزمة العبور الجماعي للمهاجرين نحو مدينة سبتة، أواخر يوليوز 2026، أعادت اختبار متانة هذا المسار، في ظل قراءات سياسية وإعلامية حاولت تحميل الرباط مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن تطورات الأزمة.
في مواجهة هذه التأويلات، اختار المغرب مقاربة تقوم أساساً على التهدئة والاحتكام إلى الوقائع، مع التشديد على أن علاقته بإسبانيا تستند إلى مصالح متبادلة وإلى قنوات للحوار والتنسيق لا تختزلها أزمة ظرفية، مهما بلغت حدتها.
ولا تبدو هذه المقاربة منفصلة عن التحول الذي شهدته العلاقات الثنائية منذ الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، والذي شكل نقطة مفصلية في إعادة بناء الثقة بين الرباط ومدريد، بعد فترة طويلة من التوتر السياسي. فقد أرسى الإعلان إطاراً جديداً للعلاقة يقوم على الاحترام المتبادل، والحوار المنتظم، وتوسيع مجالات التعاون، ولا سيما في الملفات الاقتصادية والأمنية والهجرة.
من إدارة الأزمات إلى منطق الشراكة
أظهرت السنوات الماضية أن المصالح المشتركة بين البلدين تتجاوز بكثير الملفات التي تثير خلافاً أو توتراً من حين إلى آخر. فالموقع الجغرافي يجعل المغرب وإسبانيا شريكين طبيعيين في قضايا الأمن والهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، كما أن المبادلات الاقتصادية والاستثمارات وحركة الأشخاص تجعل استقرار العلاقة الثنائية مصلحة مباشرة للطرفين.
وفي هذا السياق، أصبحت قضية الهجرة أحد أبرز الاختبارات العملية للشراكة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، يوجد في قلب معادلة الهجرة نحو أوروبا، بينما تواجه إسبانيا ضغوطاً متواصلة على حدودها الجنوبية. ومن ثم، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم على منطق تحميل المسؤولية لطرف واحد، بل تحتاج إلى تنسيق مستمر يجمع بين البعد الأمني والمقاربة التنموية والإنسانية.
أزمة سبتة الأخيرة تعكس هذه التعقيدات. فالهجرة الجماعية ليست ظاهرة يمكن اختزالها في قرار سياسي عابر، بل هي نتيجة لتداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وأمنية وجيوسياسية، ما يجعل التعاون بين دول الضفتين ضرورة أكثر منه خياراً ظرفياً.
شراكة اقتصادية تتجاوز الحسابات السياسية
إلى جانب الملفات الأمنية والهجرة، يمثل التعاون الاقتصادي أحد أكثر عناصر العلاقة المغربية الإسبانية استقراراً. فإسبانيا تعد من أبرز الشركاء الاقتصاديين للمغرب، فيما تحولت السوق المغربية إلى فضاء مهم للشركات الإسبانية في قطاعات متعددة، من الصناعة والطاقة والبنية التحتية إلى الخدمات والتجارة.
هذا التشابك الاقتصادي يمنح العلاقات الثنائية قدرة أكبر على مقاومة التقلبات السياسية، لكنه في الوقت نفسه يفرض على الطرفين الحفاظ على مستوى من الثقة السياسية يسمح باستمرار المشاريع والمصالح المشتركة.
ومن هذه الزاوية، تبدو المزايدات السياسية المرتبطة بأزمات ظرفية أقل تأثيراً من المسار الهيكلي الذي أخذته العلاقات منذ 2022. فالشراكات المستدامة لا تُقاس فقط بغياب الخلافات، وإنما بقدرة الأطراف على احتوائها ومنعها من التحول إلى قطيعة.
الحوار كخيار استراتيجي
تكشف التطورات الأخيرة، مرة أخرى، أن العلاقة المغربية الإسبانية لا تزال بحاجة إلى إدارة سياسية هادئة تقوم على التواصل المباشر وتفادي التصعيد الإعلامي. فالقضايا الحساسة، وعلى رأسها الهجرة، تتطلب تنسيقاً مؤسساتياً متواصلاً، لأن أي توتر غير محسوب قد تكون له انعكاسات تتجاوز البلدين وتمس أمن واستقرار المنطقة المتوسطية بأكملها.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن الحفاظ على الشراكة مع مدريد لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية أو تجاوز الملفات الخلافية، بل يعني إدارتها ضمن إطار سياسي قادر على الفصل بين الخلاف الظرفي والمصلحة الاستراتيجية طويلة الأمد.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا المسار يقتضي من الجانب الإسباني التعامل مع المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً يمتلك مصالح ومواقف مستقلة، وليس مجرد طرف يمكن تحميله مسؤولية كل تطور مرتبط بملف الهجرة.
شراكة أمام اختبار جديد
تظل العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار مستمر، بحكم طبيعة الملفات التي تجمع البلدين وحساسية موقعهما الجغرافي. غير أن قوة هذه العلاقة تكمن في امتلاكها اليوم أدوات سياسية واقتصادية وأمنية تسمح بإدارة الأزمات بعيداً عن منطق القطيعة.
وفي نهاية المطاف، قد تكون أزمة سبتة اختباراً جديداً لهذه الشراكة، لكنها لا تبدو كافية لإعادة البلدين إلى مناخ التوتر الذي سبق مرحلة 2022. فالوقائع على الأرض تشير إلى أن حجم المصالح المشتركة بات أكبر من أن تختزله أزمة واحدة، وأن الحوار والتنسيق يظلان الطريق الأكثر واقعية لحماية الاستقرار وتعزيز التعاون بين الرباط ومدريد.
إن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية لن تحدده المزايدات العابرة، بقدر ما ستحدده قدرة البلدين على تحويل الخلافات إلى ملفات قابلة للتفاوض، والحفاظ على الثقة، وترسيخ شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن للسيادة الوطنية.