حين يتحول الفقر إلى ورقة انتخابية: الوجه الآخر للديمقراطية في القرى المغربية

بوشعيب البازي

بروكسل – في المغرب، لا تبدأ الانتخابات دائمًا من صناديق الاقتراع، بل تبدأ أحيانًا قبل ذلك بكثير، في الأسواق الأسبوعية، وفي المقاهي الصغيرة، وفي دواوير بعيدة عن مراكز المدن، حيث يمكن أن يتحول الفقر والحاجة وضعف الوعي السياسي إلى أدوات انتخابية تستعملها بعض الأطراف للوصول إلى أصوات الناخبين.

ففي عدد من المناطق القروية، تتجدد مع كل موعد انتخابي أحاديث عن ممارسات من قبيل تقديم مبالغ مالية محدودة مقابل التصويت، أو تنظيم وجبات وعشاءات لفائدة السكان، أو توزيع مساعدات ومنافع عينية في سياق انتخابي يجعل الحدود بين العمل الاجتماعي والدعاية السياسية واستمالة الناخبين شديدة الالتباس.

قد يبدو مبلغ 200 درهم زهيدًا في الحسابات السياسية، لكنه بالنسبة إلى أسرة تعيش على دخل محدود قد يمثل مصروفًا مهمًا لأيام. وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: حين تصبح الحاجة الاقتصادية نفسها وسيلة للتأثير في القرار السياسي، يتحول التصويت من ممارسة مواطنة إلى سلعة قابلة للتفاوض.

عندما يصبح الصوت أرخص من وجبة عشاء

لا يتعلق الأمر فقط بالمال. ففي بعض البيئات المحلية، يمكن أن تتخذ الاستمالة الانتخابية أشكالًا أكثر نعومة: دعوات إلى عشاء جماعي، ولائم، نقل الناخبين، ووعود بخدمات أو تدخلات بعد الانتخابات.

المشكلة أن هذه الممارسات لا تُقاس فقط بقيمتها المادية، وإنما بما تكرسه من علاقة غير متكافئة بين المرشح والناخب. فبدل أن يقدم المرشح برنامجًا ويطلب من المواطن تقييمه ومحاسبته، يجري أحيانًا اختزال العلاقة السياسية في خدمة آنية أو منفعة شخصية.

وهكذا يصبح المواطن، وخصوصًا في المناطق الأكثر هشاشة، هدفًا سهلًا لحسابات انتخابية قصيرة الأمد.

القانون يجرّم شراء الأصوات… لكن الظاهرة لا تختفي

المفارقة أن التشريع المغربي لا يترك المسألة دون إطار قانوني. فالقواعد المنظمة للانتخابات تتضمن مقتضيات تجرّم مجموعة من الأفعال المرتبطة بالتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، بما في ذلك تقديم منافع أو أموال بقصد التأثير في التصويت.

لكن وجود النص القانوني شيء، وفعالية تطبيقه شيء آخر.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل شراء الأصوات ممنوع قانونًا؟ بل: إلى أي حد تستطيع آليات الرقابة والتحقيق إثبات هذه الممارسات ومعاقبة مرتكبيها عندما تقع؟

وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في العملية الانتخابية: كثير من الممارسات التي يتحدث عنها المواطنون لا تتم في العلن وبطريقة تترك وراءها أدلة واضحة، وإنما داخل شبكات اجتماعية محلية مغلقة، يصعب أحيانًا توثيقها أو تحويلها إلى ملفات قضائية متماسكة.

القرى ليست خزانًا انتخابيًا

أخطر ما يمكن أن تكرسه هذه الممارسات هو التعامل مع العالم القروي باعتباره مجرد خزان انتخابي قابل للاستثمار خلال موسم الانتخابات.

فالمواطن القروي ليس أقل وعيًا سياسيًا بطبيعته، لكنه قد يكون أكثر عرضة لضغوط اقتصادية واجتماعية تجعل قراره الانتخابي أكثر هشاشة. وعندما تغيب الخدمات الأساسية أو فرص العمل أو مصادر الدخل المستقرة، تصبح الوعود الصغيرة أكثر تأثيرًا.

المشكلة، إذن، ليست في الناخب وحده.

ومن غير المنصف اختزال الظاهرة في عبارة من قبيل «المواطن يبيع صوته». فحين يعيش شخص في وضع اقتصادي صعب، ثم يأتيه مرشح يعرض عليه مبلغًا أو خدمة مقابل دعمه، فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية لا يمكن أن توضع على عاتق الناخب وحده.

المسؤولية الأكبر تقع على من يحول الحاجة إلى وسيلة للسيطرة على الإرادة السياسية.

أين تبدأ الرقابة وأين تنتهي؟

يثير ذلك أيضًا سؤالًا حول فعالية الرقابة الانتخابية على المستوى المحلي. ففي القرى والدواوير، توجد شبكات اجتماعية يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتنتشر الأخبار بسرعة، كما أن أعوان السلطة المحليين بحكم طبيعة مهامهم يتمتعون عادة بمعرفة واسعة بالديناميات المحلية.

لكن الحديث عن علم هؤلاء بكل المخالفات أو عن تعمدهم غض الطرف عنها يحتاج إلى أدلة محددة، ولا يمكن تعميمه على جميع المناطق أو الأشخاص.

ومع ذلك، فإن مجرد استمرار الشكوك المتكررة حول قدرة الرقابة المحلية على رصد المخالفات ينبغي أن يكون مدعاة لإعادة تقييم آليات المراقبة، خصوصًا في الفترات الانتخابية التي ترتفع فيها حدة المنافسة وتزداد فيها محاولات استمالة الناخبين.

قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها الأمنية

المغرب يمتلك مؤسسات أمنية واستخباراتية قوية، ويُنظر إلى أجهزته الأمنية باعتبارها من الأكثر حضورًا وفعالية في المنطقة. لكن الانتخابات ليست ملفًا أمنيًا بالدرجة الأولى؛ إنها اختبار للمؤسسات السياسية والقانونية والرقابية.

ومن ثم، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على كشف التهديدات الأمنية أو تفكيك الشبكات الإجرامية، وإنما أيضًا بقدرتها على ضمان نزاهة المنافسة السياسية وحماية المواطن من كل أشكال الضغط أو الإغراء غير المشروع.

فالديمقراطية لا تكون قوية لأن الدولة تمتلك أجهزة أمنية قوية، وإنما عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يخضع للبيع والشراء، وأن القانون يطبق على المرشح النافذ كما يطبق على المواطن البسيط.

انتخابات تحتاج إلى أكثر من صناديق الاقتراع

المشكلة الأعمق في ظاهرة شراء الأصوات ليست في مبلغ 200 درهم، ولا في عشاء انتخابي، ولا في هدية توزع هنا أو هناك. المشكلة في الثقافة السياسية التي تسمح بتحويل الانتخابات إلى موسم للمنافع الشخصية بدل أن تكون لحظة لمحاسبة المسؤولين واختيار السياسات العامة.

فالانتخابات الديمقراطية يفترض أن تجعل المواطن صاحب القرار. أما عندما يصبح صوته مرتبطًا بمبلغ مالي أو وجبة أو وعد بخدمة، فإن العملية السياسية تفقد جزءًا من معناها.

وإذا كان شراء الأصوات جريمة انتخابية، فإن مكافحتها لا يمكن أن تقتصر على النصوص القانونية. المطلوب هو رقابة أكثر استقلالية وفعالية، وآليات واضحة للتبليغ وحماية المبلغين، وتحقيق جدي في الشكايات، إلى جانب رفع مستوى الوعي السياسي والانتخابي في المناطق القروية.

في نهاية المطاف، أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس أن يُباع صوت واحد مقابل 200 درهم، وإنما أن يصبح بيع الصوت ممارسة عادية لا تثير الاستغراب.

وعندما يصبح المواطن مقتنعًا بأن الانتخابات لا تأتيه إلا كل بضع سنوات ومعها ظرف مالي أو وليمة، فإن المشكلة لا تعود مشكلة ناخب فقير أو مرشح انتهازي، بل تتحول إلى أزمة ثقة في العملية الديمقراطية نفسها.

وهنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي حول الانتخابات في المغرب: ليس فقط من يفوز، ولكن كيف تم الحصول على الأصوات، وبأي ثمن، وبأي قدر من النزاهة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com