الإسلام في بلجيكا: حين تحولت معركة التمثيل إلى أزمة ثقة

بوشعيب البازي

لم تعد أزمة تمثيل المسلمين في بلجيكا مجرد خلاف إداري حول اسم الهيئة التي ينبغي أن تتحدث باسمهم أمام الدولة. إنها، في جوهرها، أزمة سياسية ومؤسساتية أعمق، تكشف عن هشاشة العلاقة بين جزء من النخب المسلمة والمؤسسات الدينية من جهة، وبين القاعدة الواسعة للمسلمين من جهة أخرى.

وفي قلب هذه الأزمة يحضر العامل المغربي بقوة. ليس لأن المغاربة يشكلون مجرد مكوّن عددي مهم داخل الجالية المسلمة في بلجيكا، بل لأن حضورهم التاريخي والاجتماعي جعلهم طرفاً أساسياً في النقاش حول المساجد، والأئمة، والتعليم الديني، وتمثيل المسلمين أمام السلطات البلجيكية.

غير أن هذا الحضور، الذي كان يمكن أن يتحول إلى قوة مؤسساتية، أصبح في مراحل معينة جزءاً من المشكلة نفسها.

من أزمة «التنفيذي» إلى أزمة التمثيل

كان عهد الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، التي ارتبط اسمها لفترة طويلة بصالح الشلاوي، محطة أساسية في تاريخ تنظيم الشأن الإسلامي داخل البلاد. غير أن الصراعات الداخلية والتجاذبات حول النفوذ والتمثيل انتهت إلى إضعاف المؤسسة وإفراغها تدريجياً من قدرتها على لعب الدور الذي كان يفترض أن تؤديه.

وفي سبتمبر 2022، قررت السلطات البلجيكية سحب الاعتراف الرسمي بالهيئة التنفيذية، قبل أن تنتقل البلاد إلى ترتيبات مؤقتة لمحاولة بناء هيئة تمثيلية جديدة. وتؤكد الوثائق الرسمية أن القرار أنهى الإطار الذي كان قائماً منذ الاعتراف بالهيئة التنفيذية سنة 2016.

كان يمكن لهذا التحول أن يشكل فرصة لإعادة بناء التمثيل الإسلامي على أسس أكثر شفافية وديمقراطية. لكن الأزمة لم تنته؛ بل انتقلت من مؤسسة إلى أخرى.

وهنا تكمن المفارقة. لقد تغيرت الأسماء، وتغيرت الهياكل، وتغيرت الصيغ القانونية، لكن السؤال الأساسي ظل كما هو: من يملك الشرعية ليتحدث باسم مسلمي بلجيكا؟

خطأ سياسي تحولت كلفته إلى إرث ثقيل

قرارات الدولة البلجيكية تجاه تنظيم الإسلام لم تكن دائماً منفصلة عن الصراعات الداخلية للمجتمع المسلم. غير أن اعتماد مقاربة إدارية من أعلى إلى أسفل، بدلاً من بناء تمثيل ينطلق فعلياً من المساجد والفاعلين المحليين، ساهم في تعقيد المشهد.

وهذا تحديداً ما تنتقده اليوم الهيئة التنفيذية نفسها، التي ترى أن التجارب السابقة اعتمدت مقاربة مفروضة من أعلى، بدل مسار ينبثق من المساجد ومختلف مكونات المجتمع المسلم.

والمفارقة أن الدولة كانت تبحث عن شريك واحد يمكن مخاطبته، بينما كان المجتمع المسلم يحتاج قبل ذلك إلى بناء مؤسسة تحظى بثقة القاعدة التي يفترض أن تمثلها. فالشرعية لا تُصنع بقرار إداري وحده.

مجلس جديد… والمشكلة القديمة

عندما ظهر مجلس مسلمي بلجيكا كهيئة تمثيلية مؤقتة، قُدم المشروع باعتباره محاولة لفتح صفحة جديدة. لكن الصفحة الجديدة سرعان ما بدأت تحمل بعض ملامح الصفحة القديمة.

ففي يونيو 2026، قررت وزيرة العدل أنيلين فيرلندن تمديد الاعتراف المؤقت بمجلس مسلمي بلجيكا لمدة سنة إضافية، بما يسمح له بمواصلة القيام بدوره التمثيلي بصورة مؤقتة. غير أن القرار لم يحسم أزمة الشرعية.

بل إن الهيئة التنفيذية اعتبرت في بيان صدر في 23 يونيو 2026 أن مجلس مسلمي بلجيكا لم ينجح في الحصول على الشرعية الكافية داخل المجتمع المسلم، واعترضت على المعطيات المتعلقة بعدد المساجد التي تدعمه. وفي المقابل، يستمر المجلس في موقعه المؤقت بموجب قرار السلطات البلجيكية.

وهكذا أصبح الإسلام البلجيكي أمام مفارقة مؤسساتية نادرة: هيئة مؤقتة تمثل المسلمين أمام الدولة، لكنها لا تحظى بإجماع المسلمين؛ وهيئة أخرى تقول إنها تمثل القاعدة، لكنها فقدت الاعتراف الرسمي الكامل.

والنتيجة أن المواطن المسلم يجد نفسه أمام أكثر من جهة تتحدث باسمه، بينما لا يعرف بالضبط من يملك التفويض الحقيقي.

عندما يصبح العمل الديني وظيفة متوقعة

من أكثر الإشكالات حساسية في هذا المسار علاقة بعض الفاعلين بالمناصب الدينية والمؤسساتية. فالعمل داخل المؤسسات التي تدير الشأن الديني يفترض، في أصله، أن يكون خدمة عامة قبل أن يكون موقعاً للنفوذ أو مورداً مادياً. وعندما يدخل منطق التعويضات والامتيازات والحسابات الشخصية في صلب العمل التمثيلي، فإن المؤسسة تفقد جزءاً من معناها.

وقد ظهرت، على مر السنوات، خلافات واستقالات وتوترات حول طبيعة العمل داخل الهيئات التمثيلية، وحول ما إذا كان العمل فيها وظيفة مدفوعة الأجر أم مسؤولية ذات طبيعة تطوعية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمن يستحق التعويض ومن لا يستحقه فقط، بل بسؤال أكثر عمقاً: هل جاء المسؤول إلى المؤسسة لخدمة الدين والمجتمع، أم أصبح المجتمع نفسه وسيلة للوصول إلى المؤسسة؟ إنه سؤال قاسٍ، لكنه ضروري.

المغرب حاضر… لكن الحضور يحتاج إلى مؤسسات

لا يمكن الحديث عن الإسلام في بلجيكا من دون الحديث عن المغاربة. فالأصل المغربي يمثل أحد أكبر المكونات داخل المسلمين في البلاد، إلى جانب المكون التركي ومكونات أخرى. وقد أظهرت الدراسات حول تنظيم وتمويل الإسلام في بلجيكا أن المغاربة والأتراك يشكلون أكبر مجموعتين من حيث الأصول داخل المجتمع المسلم.

لكن الحجم الديموغرافي لا ينتج تلقائياً نفوذاً مؤسساتياً ناجحاً.

فالمطلوب من الحضور المغربي ليس أن يدخل في سباق على المناصب، بل أن يساهم في بناء مؤسسات حديثة، شفافة، بلجيكية في طريقة اشتغالها، ومنفتحة على التعدد الديني والثقافي داخل المجتمع المسلم.

المشكلة ليست في أن يكون مغربي أو تركي أو بلجيكي على رأس مؤسسة دينية. المشكلة تبدأ عندما تصبح الجنسية أو الأصل أو شبكة العلاقات معياراً أهم من الكفاءة والشرعية والثقة.

المساجد: الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

أزمة التمثيل لا يمكن حلها في المكاتب الإدارية وحدها.

المسجد هو الوحدة الأساسية التي ينبغي أن ينطلق منها أي تمثيل حقيقي للمسلمين. وهذا ما تؤكده أيضاً المعركة الحالية حول شرعية الهيئات التمثيلية؛ فالهيئة التنفيذية تعتبر أن التجديد الحقيقي يجب أن ينطلق من أماكن العبادة ومختلف مكونات المجتمع المسلم، وليس من تعيين إداري منفصل عن القاعدة.

لكن جزءاً من المساجد نفسها لا يبدو مستعداً للتنازل عن استقلاليته لصالح هيئة مركزية. وهنا تتشكل دائرة مفرغة:

المؤسسة المركزية تقول إنها تحتاج إلى دعم المساجد كي تكتسب الشرعية، والمساجد تقول إنها لا تريد الاعتراف بمؤسسة لا تمثلها فعلياً، والدولة تبحث عن محاور واحد يمكنها التعامل معه.

وفي النهاية، يدفع المسلم العادي ثمن هذا النزاع.

وماذا عن التشيع؟

أما الحديث عن توسع التشيع داخل بعض أوساط الجالية، فيحتاج إلى قدر كبير من الدقة.

وجود مؤسسات ومراكز شيعية في بلجيكا ليس جديداً، كما أن المجتمع المسلم البلجيكي ليس كتلة مذهبية واحدة. لكن ربط انتشار التشيع مباشرة بأزمة المؤسسات التمثيلية يحتاج إلى أدلة ميدانية وإحصائية مستقلة، ولا يمكن اعتباره نتيجة مثبتة لمجرد وجود فراغ مؤسساتي.

ومع ذلك، فإن الفراغ المؤسساتي يظل مشكلة حقيقية؛ لأن المجتمعات التي تفتقر إلى مؤسسات دينية موثوقة وذات قدرة على التأطير تترك مساحة أوسع أمام تيارات وأفكار مختلفة للتنافس على التأثير.

وهذا ليس خاصاً بالتشيع وحده، بل ينطبق على مختلف التيارات الدينية والفكرية.

المسلم البلجيكي لا يحتاج إلى حرب على الكراسي

المسلمون في بلجيكا لا يحتاجون إلى مؤسسة جديدة كلما فشلت مؤسسة قديمة. ولا يحتاجون إلى صراع دائم بين الأشخاص والهيئات والمساجد. إنهم يحتاجون إلى شيء أبسط بكثير: مؤسسة تحظى بالثقة.

مؤسسة لا تُختار وفق ميزان العلاقات الشخصية، ولا تُدار بمنطق النفوذ، ولا تعتبر المسجد مجرد رقم في قائمة العضوية، ولا تعتبر الدولة مصدراً للشرعية.

بل مؤسسة تستمد شرعيتها من القاعدة، وتخضع للشفافية، وتقدم حساباً عن عملها، وتدافع عن مصالح المسلمين في إطار القانون البلجيكي، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلالية الشأن الديني.

أزمة الإسلام في بلجيكا ليست أزمة إيمان

ربما يكون من الخطأ الحديث عن «أزمة الإسلام» في بلجيكا. الأدق هو الحديث عن أزمة تنظيم وتمثيل وحوكمة.

فالمساجد موجودة، والمصلون موجودون، والأئمة موجودون، والجمعيات موجودة، والجالية المغربية والتركية وغيرها حاضرة بقوة في النسيج الاجتماعي البلجيكي.

المشكلة أن هذا الحضور الاجتماعي الكبير لم يتحول بعد إلى بنية مؤسساتية تحظى بالشرعية الكافية.

ومن هنا تأتي المفارقة الكبرى: مجتمع مسلم كبير، لكن تمثيله الرسمي ما زال مؤقتاً؛ مؤسسات كثيرة، لكن التنسيق ضعيف؛ كفاءات عديدة، لكن الصراع على المواقع يسبق أحياناً النقاش حول المشاريع.

والدولة من جهتها لا تستطيع أن تبني إلى الأبد تمثيلاً دينياً بالقرارات الإدارية. كما أن المسلمين لا يستطيعون أن يطلبوا من الدولة الاعتراف بمؤسسة لا تحظى بثقة جزء مهم من المساجد. الحل إذن ليس في تغيير الاسم مرة أخرى. الحل في تغيير طريقة التفكير.

فإذا ظل الصراع يدور حول من يجلس على الكرسي، فإن السؤال الحقيقي سيظل بلا جواب: متى يصبح الكرسي في خدمة المسلمين، بدلاً من أن يصبح المسلمون في خدمة الكرسي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com