مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية، المقرر في 23 شتنبر 2026، تعود الحياة السياسية إلى موعدها الخماسي المعتاد: صور كبيرة، ابتسامات أكبر، ووعود قادرة ــ لو تحققت كلها ــ على تحويل المغرب إلى نسخة سياسية من سنغافورة، واقتصادية من سويسرا، واجتماعية من السويد، وكل ذلك في ظرف خمس سنوات فقط.
المشكلة أن المواطن المغربي أصبح أكثر خبرة من أن يصدق الكتيبات الانتخابية، وأكثر حذراً من أن يشتري الكلام بالجملة.
فالانتخابات، في جزء من المشهد السياسي، تحولت إلى طقس موسمي له قواعده غير المكتوبة: المرشح يظهر قبل الاقتراع بقليل، يكتشف فجأة أن الحي الذي لم يزره منذ سنوات يحتاج إلى الإنارة، وأن الطريق تحتاج إلى الإصلاح، وأن الشباب يحتاج إلى العمل، وأن المواطن يستحق مستشفى ومدرسة ونقلاً لائقاً. وبعد إعلان النتائج، يعود كل شيء إلى وضعه الطبيعي، ويختفي المرشح من المشهد كما تختفي الوعود من الذاكرة السياسية.
إنها ديمقراطية بنظام “الظهور عند الحاجة”.
المواطن لا يطلب المستحيل
المغربي لا يطلب من المنتخب أن يصنع المعجزات. هو يريد فقط أن يعرف ماذا فعل المنتخب خلال ولايته، وأين ذهبت الوعود التي قُدمت له، وما الذي تحقق فعلاً، وما الذي تعذر تحقيقه، ولماذا.
لكن السؤال الأكثر إزعاجاً يبقى: من يحاسب السياسي عندما تنتهي الولاية؟ فالناخب يضع صوته في الصندوق، بينما يفترض أن يضع المنتخب حسابه أمام المواطنين.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى. الأحزاب تتحدث عن الديمقراطية، لكن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في يوم الاقتراع. الديمقراطية أيضاً هي القدرة على مساءلة المنتخب، وحق المواطن في معرفة حصيلة ممثله، ووضوح مصادر تمويل الحملات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما أن يصبح البرلمان محطة مريحة في المسار المهني لبعض السياسيين، فهذه قصة أخرى.
البرلمان ليس وكالة لتدبير المصالح الشخصية
البرلمان مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فضاءً للتشريع والرقابة والنقاش العمومي. لكنه يفقد جزءاً من هيبته عندما ينظر إليه المواطن باعتباره مجرد وسيلة للامتيازات أو النفوذ أو بناء العلاقات.
وهنا لا يتعلق الأمر بحزب دون آخر، ولا بعائلة سياسية دون غيرها. إنها مشكلة أعمق: حين تتحول السياسة من خدمة عامة إلى مهنة مغلقة، يصبح المواطن مجرد رقم انتخابي يظهر في دفاتر الأحزاب كل خمس سنوات.
وفي موسم الانتخابات، تتحول بعض الدوائر إلى ما يشبه سوقاً سياسية مؤقتة: الجميع يعرف الجميع، والكل لديه “مشروع”، والكل يتحدث عن “المصلحة العامة”، فيما المواطن يسأل في سره: أين كانت هذه المصلحة العامة طوال السنوات الخمس الماضية؟
الوعود الانتخابية: منتج موسمي
هناك وعود انتخابية تشبه بعض المنتجات الموسمية: تظهر بكثرة قبل الانتخابات، ثم تختفي مباشرة بعد انتهائها.
وعود بالشغل، ووعود بالصحة، ووعود بالنقل، ووعود بالسكن، ووعود للشباب، ووعود للنساء، ووعود للمناطق المهمشة، ووعود بالإصلاح.
ولو كانت الوعود تُنجز بالسرعة التي تُطلق بها، لكان المغرب اليوم يعيش أزمة بسبب فائض المشاريع.
لكن المشكلة ليست في الوعد السياسي بحد ذاته. السياسة تحتاج إلى برامج وطموحات. المشكلة في الوعد الذي لا يرتبط بآلية تنفيذ ولا بجدول زمني ولا بمسؤولية سياسية واضحة.
فالمواطن لا يريد مرشحاً يجيد الكلام أمام الميكروفون؛ يريد منتخباً يستطيع أن يجيب بعد خمس سنوات عن سؤال بسيط: ماذا أنجزت؟المواطن الذي فقد ثقته لا يعني أنه فقد وطنيته
الأخطر على الأحزاب ليس النقد، بل اللامبالاة.
عندما يتوقف المواطن عن تصديق البرامج، ويصبح مقتنعاً مسبقاً بأن النتيجة لن تغير شيئاً في حياته، فإن المشكلة لا تعود مشكلة انتخابية فقط، بل تصبح أزمة ثقة في الوساطة السياسية نفسها.
وتشير تحليلات مرتبطة باستحقاقات 2026 إلى أن ضعف الثقة في الأحزاب والمشاركة الانتخابية يمثلان أحد أبرز التحديات المطروحة.
وهنا ينبغي على الأحزاب أن تتوقف عن لوم المواطن.
فالمواطن الذي لا يذهب إلى صناديق الاقتراع ليس بالضرورة كسولاً سياسياً أو غير مبالٍ بالشأن العام. قد يكون ببساطة مواطناً تعب من سماع الخطاب نفسه، ورؤية الوجوه نفسها، وانتظار النتائج نفسها.
السياسة ليست “مشروعاً عائلياً”
المشهد السياسي يحتاج إلى تجديد حقيقي، لا إلى إعادة تدوير الأشخاص أنفسهم في مواقع مختلفة.
المطلوب ليس فقط تغيير الشعارات والرموز والألوان، وإنما تغيير الثقافة السياسية ذاتها: وجوه جديدة، كفاءات حقيقية، شفافية في اختيار المرشحين، برامج قابلة للقياس، وحساب سياسي واضح بعد انتهاء الولاية.
أما أن يكون معيار الاختيار هو القدرة على جمع الأصوات أو امتلاك شبكة انتخابية واسعة، فذلك قد ينتج منتخباً ناجحاً في الانتخابات، لكنه ليس بالضرورة منتخباً ناجحاً في البرلمان.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يعرف كيف يفوز بالمقعد، ومن يعرف ماذا يفعل بعد الفوز به.
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم
قبل أن يسأل المواطن: “من سأنتخب؟”، من حقه أن يسأل الأحزاب سؤالاً أكثر أهمية:
لماذا أنت تحديداً؟ ماذا قدمتم خلال الولاية السابقة؟ ما الذي فشلتم في تحقيقه؟ كم وعداً نفذتم؟ ما الذي تغير في حياة المواطنين؟ ما تصوركم للتشغيل والتعليم والصحة والسكن؟ كيف ستراقبون المال العام؟
وكيف ستضمنون ألا تتحول المسؤولية السياسية إلى حصانة اجتماعية؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجاً: لماذا يجب أن أثق بكم مرة أخرى؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للانتخابات المقبلة.
فالبلاد لا تحتاج إلى مرشحين يعرفون المواطن فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع. تحتاج إلى منتخبين يعرفون المواطن قبل الانتخابات وبعدها، ويعتبرون المقعد النيابي تكليفاً لا غنيمة، ومسؤولية لا امتيازاً، وخدمة عامة لا سلماً للصعود الشخصي.
أما السياسي الذي لا يتذكر المواطن إلا كل خمس سنوات، فليسمح له المواطن هذه المرة بأن يتذكره أيضاً… لكن عند صناديق الاقتراع، وبالطريقة التي يراها مناسبة.
فالانتخابات ليست حفلاً لتجديد الوجوه، وإنما امتحان لتجديد الثقة. ومن فشل في الامتحان، لا ينبغي أن يطلب من الناخب أن يمنحه الشهادة بنفسه.