العدالة والتنمية يريد العودة إلى الحكومة: ماذا بقي من «الإصلاح» بعد تجربة الحكم؟

بوشعيب البازي

Screenshot

هناك أحزاب تخوض الانتخابات بحثاً عن السلطة، وأحزاب تخوضها بحثاً عن فرصة جديدة لتفسير السلطة. ويبدو أن حزب العدالة والتنمية المغربي ينتمي، في هذه المرحلة، إلى الصنف الثاني: حزب يريد العودة إلى الحكومة، بعد أن سبق له أن أمضى سنوات طويلة داخلها، وكأن الولاية الحكومية السابقة لم تكن تجربة سياسية كاملة، بل مجرد «نسخة تجريبية» ينتظر المغاربة صدور تحديثها.

منذ وصول عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة سنة 2011، ثم انتقال قيادة الحكومة إلى سعد الدين العثماني سنة 2017، ظل الحزب يقدم نفسه باعتباره قوة سياسية مختلفة، ذات مرجعية إسلامية، وبخطاب يقوم على محاربة الفساد وترشيد الإنفاق والدفاع عن الطبقات الشعبية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لكن السياسة، مثل الامتحانات، لا تعترف كثيراً بجمال النوايا. في النهاية، يبقى السؤال بسيطاً: ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع القرار؟

من «محاربة الفساد» إلى محاربة عجز الميزانية

دخل العدالة والتنمية الحكومة سنة 2011 بخطاب سياسي قوي، مستفيداً من موجة سياسية واجتماعية جعلت قطاعات واسعة من الناخبين تنظر إليه باعتباره بديلاً عن الأحزاب التقليدية.

غير أن سنوات الحكم كشفت مفارقة لافتة: الحزب الذي جعل محاربة الفساد إحدى ركائز خطابه وجد نفسه، في ممارسة السلطة، أمام دولة معقدة ومؤسسات ومصالح اقتصادية واجتماعية لا يمكن إدارتها بالشعارات. وكان عليه أن يتخذ قرارات صعبة.

إصلاح صندوق المقاصة، تحرير أسعار المحروقات، إصلاح أنظمة التقاعد، واللجوء إلى إجراءات مالية أثارت جدلاً اجتماعياً واسعاً، كلها أصبحت جزءاً من إرث المرحلة.

الحزب نفسه يدافع اليوم عن تلك القرارات باعتبارها إصلاحات ضرورية. وقد أعاد في 2026 إبراز إصلاح المقاصة والتقاعد ضمن سرديته ، وهنا تظهر المفارقة الساخرة:

عندما كان العدالة والتنمية في المعارضة، كان المواطن بالنسبة إليه إنساناً يحتاج إلى الإنقاذ. وعندما أصبح في الحكومة، اكتشف أن إنقاذ المواطن يحتاج أولاً إلى إصلاح المالية العمومية.

والأغرب أن بعض القرارات التي كانت تُقدَّم باعتبارها ضرورة وطنية أصبحت اليوم مادة للمرافعة الانتخابية: «انظروا ماذا فعلنا». وكأن المواطن مطالب بالتصفيق للدواء، حتى وإن كان يتذكر جيداً مرارة تناوله.

المحروقات: المواطن يدفع، والسياسي يشرح

من أكثر الملفات التي التصقت بحكومة بنكيران ملف تحرير أسعار المحروقات.

المنطق الاقتصادي الذي قدمته الحكومة كان واضحاً: الدولة لا تستطيع إلى ما لا نهاية تحمل كلفة الدعم، وإصلاح المقاصة ضروري لحماية التوازنات المالية.

لكن المواطن لم يكن يعيش داخل جداول وزارة المالية.

كان يعيش داخل محطة الوقود.

وهنا ولدت واحدة من أكثر المفارقات السياسية وضوحاً: حكومة ذات خطاب اجتماعي انتهت إلى اتخاذ قرار اقتصادي كانت كلفته محسوسة مباشرة في حياة الأسر والمقاولات.

ويمكن للحكومة أن تقدم مائة صفحة من التبريرات الاقتصادية، لكن سائق سيارة الأجرة كان يملك مؤشراً أكثر بساطة: عداد ثمن الوقود.

إصلاح التقاعد… حين يصبح «الإصلاح» مسؤولية الجيل المقبل

الملف الآخر هو التقاعد.

الحكومة دافعت عن الإصلاح باعتباره ضرورة لإنقاذ أنظمة التقاعد من الاختلالات المالية. ومن وجهة نظرها، كان تأجيل القرار سيجعل الأزمة أكثر كلفة مستقبلاً.

لكن الإصلاح لم يمر سياسياً بلا ثمن.

فرفع سن التقاعد وتعديل بعض المعايير أثارا اعتراضات نقابية واجتماعية.

وهنا أيضاً يمكن للسخرية السياسية أن تسأل:

السؤال ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي أيضاً: لماذا تُقدَّم القرارات الصعبة دائماً على أنها قدر محتوم عندما تصل الحكومة إلى السلطة، بينما كانت تبدو قبل الوصول إليها وكأنها مجرد خيارات سياسية؟

والمرجعية الإسلامية؟ أين ظهرت في السياسات الاجتماعية؟

هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.

فالعدالة والتنمية لم يقدم نفسه للمغاربة كحزب محافظ عادي، بل كحزب ذي مرجعية إسلامية. ولذلك كان من الطبيعي أن ينتظر جزء من الناخبين منه ترجمة هذه المرجعية إلى سياسات عمومية.

لكن المرجعية الإسلامية في الحكم لا يمكن اختزالها في الخطاب الديني أو في المحافظة الاجتماعية.

إذا كانت المرجعية تعني العدل، فالمواطن يريد أن يرى العدالة في الأجور والضرائب والولوج إلى الصحة والتعليم.

وإذا كانت تعني التكافل، فهو يريد أن يعرف كيف ستصل الثروة إلى الفئات الهشة.

وإذا كانت تعني محاربة الفساد، فهو يريد مؤسسات قوية وآليات فعالة للمحاسبة.

وإذا كانت تعني حفظ كرامة الإنسان، فالمواطن يريد مدرسة محترمة، ومستشفى محترماً، وإدارة لا تحتاج إلى «معرفة» حتى تتحرك.

وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات السياسية للحزب: لم يكن الاختبار الحقيقي لمرجعيته هو عدد الخطب التي تحدثت عن القيم، وإنما القرارات التي اتخذتها حكومته عندما اصطدمت هذه القيم بميزانية الدولة ومصالح الفاعلين الاقتصاديين والواقع الاجتماعي.

التعليم والتعاقد: عندما تدخل السياسة من باب المدرسة

ومن الملفات التي ما زالت تلقي بظلالها على النقاش السياسي نظام التعاقد في التعليم، الذي أُقر في عهد حكومة يقودها العدالة والتنمية، وأصبح لاحقاً أحد الملفات التي ارتبطت باحتجاجات الأساتذة ونقاشات حادة حول وضعية المدرسين.وهنا يمكن للمواطن أن يطرح سؤالاً بسيطاً:

إذا كان التعليم أولوية، فلماذا يحتاج المدرس إلى معركة طويلة حتى يشعر بأن الدولة تنظر إليه باعتباره جزءاً من الحل لا مجرد بند في جدول النفقات؟

والسؤال الأكثر إزعاجاً للحزب ربما هو:

لماذا لم تُكتشف كل هذه الحلول الاجتماعية الرائعة إلا بعد مغادرة الحكومة؟

بعد سنوات من المعارضة… ماذا سيأتي به الحزب هذه المرة؟ هذه هي النقطة الأكثر إثارة في العودة السياسية للعدالة والتنمية.

الحزب لا يدخل الانتخابات من موقع الحزب الذي لم يجرب الحكم. لقد جربه، وأدار الحكومة، واتخذ قرارات كبرى، ثم خسر انتخابياً بشكل قاسٍ سنة 2021.

لذلك فإن العودة لا يمكن أن تقوم فقط على عبارة «أعطونا فرصة أخرى».

فالفرصة الأولى كانت طويلة بما يكفي للحكم على التجربة.

وإذا كان الحزب يريد فرصة ثانية، فعليه أن يجيب عن سؤال أكثر صعوبة، ما الشيء الذي ستفعلونه هذه المرة ولم تفعلوه عندما كانت الحكومة تحت قيادتكم؟ هل ستكون هناك وصفة جديدة لمحاربة الفساد؟هل سيكون هناك نموذج اقتصادي مختلف؟ هل ستتراجعون عن بعض الاختيارات الاقتصادية السابقة؟ هل لديكم تصور جديد للتعليم والصحة والتشغيل؟ هل ستقدمون سياسة اجتماعية أكثر قوة؟

أم أن البرنامج الجديد سيكون، ببساطة، النسخة السياسية المحدثة من البرنامج القديم، مع تغيير الغلاف وإضافة كلمة «البديل» في العنوان؟

الحزب الذي يريد استعادة الماضي… ليصنع المستقبل

المفارقة الكبرى أن العدالة والتنمية يريد أن يعود إلى المستقبل من خلال الدفاع عن تجربة الماضي.

وهذا مشروع سياسي مشروع تماماً، لكنه يحتاج إلى ذاكرة سياسية قوية.

فالمواطن المغربي الذي عاش مرحلة بنكيران والعثماني لن يقرأ البرنامج الانتخابي كما يقرأه ناخب لم يسمع بالحزب من قبل.

سيقرأه وهو يتذكر المقاصة. ويتذكر المحروقات. ويتذكر التقاعد. ويتذكر التعليم. ويتذكر الوعود. ويتذكر أيضاً أن الحزب نفسه كان قد اعتبر حصيلته الحكومية في 2021 «مشرفة»، فيما كانت نتيجة الانتخابات مختلفة تماماً، إذ تعرض الحزب لانهيار انتخابي كبير.

وهذا يعني أن المشكلة ليست في قدرة الحزب على إنتاج خطاب انتخابي جديد، بل في قدرته على إقناع الناخب بأن النسخة الجديدة ليست مجرد بنكيران 2.0، أو العثماني 2.0، مع تحديث في الشعارات.

العدالة والتنمية بين «النص» و«الواقع»

في السياسة، يمكن للحزب أن يغيّر البرنامج، والقيادة، والخطاب وحتى طريقة تقديم نفسه.

لكن هناك شيئاً لا يمكن تحديثه بسهولة: الذاكرة الجماعية.

فالناخب لا يسأل فقط: ماذا ستفعلون؟

بل يسأل أيضاً: لماذا لم تفعلوا ذلك عندما كنتم في الحكومة؟

وهذا السؤال قد يكون أكثر قسوة من أي برنامج انتخابي معارض.

لذلك، إذا أراد العدالة والتنمية العودة إلى الحكومة، فإن معركته الحقيقية لن تكون مع الأحزاب المنافسة فقط، بل مع أرشيفه السياسي نفسه.

وذلك الأرشيف لا يحتاج إلى حملة انتخابية حتى يتحدث.

يكفي أن يفتح المواطن فاتورة الوقود، أو يتذكر إصلاح التقاعد، أو يستعيد سنوات النقاش حول التعليم، ثم يسأل بهدوء:

«كل هذا فهمناه… ولكن ماذا ستفعلون هذه المرة؟»

وربما يكون السؤال الأكثر سخرية هو:

هل عاد حزب العدالة والتنمية لأنه اكتشف أخيراً كيف يحكم المغرب، أم لأنه اكتشف بعد مغادرة الحكومة أن المعارضة أسهل بكثير من الحكم؟

في كل الأحوال، يبدو أن الحزب مقبل على امتحان مختلف هذه المرة: ليس امتحان الوصول إلى السلطة، فقد نجح فيه سنة 2011، وإنما امتحان أكثر صعوبة بكثير، هو إقناع المغاربة بأن الحزب الذي سبق أن حكمهم قادر على أن يحكمهم بشكل مختلف.

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الانتخابية الحقيقية.

حرصتُ على أن تكون السخرية موجهة إلى التناقضات السياسية والحصيلة والوعود لا إلى الدين أو الأشخاص، حتى يبقى المقال صالحاً للنشر في صحيفة جادة، وفي الوقت نفسه يحتفظ بنبرة ساخرة وحادة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com