واشنطن – تبدو الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة وكأنها تعيد رسم حدود انخراطها في الحرب الإقليمية، ليس عبر إعلان انسحاب عسكري أو وقف عملياتها، وإنما من خلال سلسلة من القرارات التي تعكس حذراً متزايداً إزاء فتح جبهات جديدة. ويبرز هذا التوجه بصورة خاصة في اليمن، حيث رفضت واشنطن حتى الآن الانخراط عسكرياً بصورة مباشرة إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، مكتفية بتقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
ويأتي ذلك في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية على ساحل البحر الأحمر، بعدما حقق الحوثيون تقدماً ميدانياً مهماً واقتربوا من باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إلى التجارة العالمية وتدفقات الطاقة. ووفق تقارير أميركية ودولية، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس دونالد ترامب دعماً عسكرياً أميركياً مباشراً، غير أن الإدارة الأميركية اختارت، حتى الآن، عدم توجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين.
واشنطن ترفض فتح جبهة ثالثة
هذا القرار لا يعني بالضرورة أن واشنطن تخلت عن السعودية أو أنها قررت الانسحاب من الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة لا تزال منخرطة بصورة مباشرة في الصراع مع إيران، فيما تواصل قواتها العمل على حماية مصالحها وحرية الملاحة في المنطقة.
لكن الرسالة السياسية والعسكرية تبدو أكثر تحديداً: الدعم الأميركي يمكن أن يستمر، بينما يبقى التدخل المباشر في اليمن خياراً مؤجلاً.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل اعتراف مسؤولين أميركيين بأن الإدارة تريد إبقاء تركيز قواتها على إيران ومضيق هرمز، بدلاً من توسيع نطاق العمليات ليشمل جبهة يمنية جديدة. وفي الوقت نفسه، تواصل واشنطن تزويد الرياض بالمعلومات الاستخباراتية وبيانات الاستهداف، ما يشير إلى انتقال جزء أكبر من عبء المواجهة إلى الشركاء الإقليميين.
اتصالات غير معلنة مع الحوثيين
المفارقة الأبرز أن واشنطن، رغم تصنيفها الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية منذ 2025، لم تغلق الباب أمام الاتصالات السياسية معهم.
فقد كشفت تقارير في 16 سبتمبر عن اجتماع مسؤولين أميركيين مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، بوساطة عمانية، في محاولة لتثبيت التفاهم السابق المتعلق بعدم استهداف السفن الأميركية وحرية الملاحة في البحر الأحمر. وبحسب مصادر نقلت عنها رويترز، أكد الحوثيون خلال اللقاء أنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأميركية وأنهم ما زالوا ملتزمين بالتفاهم الذي تم التوصل إليه مع واشنطن في العام السابق.
وتكشف هذه الاتصالات أن الحسابات الأميركية لا تقوم فقط على الخيار العسكري. فحتى في ظل التصعيد، تبدو واشنطن مستعدة للإبقاء على قنوات تفاوضية مفتوحة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحماية الملاحة ومنع انتقال الحرب إلى مساحات إضافية.
باب المندب في مواجهة هرمز
المشكلة أن تطورات اليمن تأتي في توقيت بالغ الحساسية. فمضيق هرمز أصبح بالفعل محوراً رئيسياً في المواجهة الأميركية الإيرانية، بينما يهدد تمدد الحوثيين بخلق ضغط مماثل على باب المندب.
وبذلك تواجه الولايات المتحدة معادلة استراتيجية شديدة التعقيد: حماية حرية الملاحة في هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، من دون تحويل كل تهديد إلى عملية عسكرية أميركية مباشرة.
وفي 16 سبتمبر، أكدت القيادة المركزية الأميركية أن حركة المرور عبر مضيق هرمز ما زالت مستمرة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انتقال الاضطرابات إلى ممرات بحرية إضافية.
أما في البحر الأحمر، فقد أدت سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية وجزر قريبة من باب المندب إلى زيادة المخاطر على طرق الطاقة والتجارة. واعتبرت تقارير رويترز أن هذا التقدم يمثل اختباراً جديداً لحدود الحماية الأميركية للسعودية وحلفائها.
الانتخابات حاضرة في الحسابات… لكن دون دليل حاسم
في واشنطن، يطرح هذا التحول سؤالاً سياسياً أوسع: هل ترتبط حسابات الإدارة الأميركية أيضاً بالانتخابات المقبلة ورغبة الرئيس ترامب في تجنب حرب إقليمية طويلة ومكلفة؟
يصعب تقديم إجابة قاطعة. فوجود اعتبارات انتخابية في الحسابات السياسية لا يعني أنها العامل الحاسم في القرار العسكري، ولا تتوافر حتى الآن أدلة علنية تسمح بالقول إن قرار عدم ضرب الحوثيين اتُّخذ بسبب الانتخابات وحدها.
لكن كلفة الحرب تبقى عاملاً سياسياً لا يمكن تجاهله. فالإدارة تواجه في الوقت نفسه حرباً واسعة مع إيران، واضطرابات في أسواق الطاقة، وضغوطاً على حركة الملاحة، بينما قد يؤدي فتح جبهة يمنية مباشرة إلى توسيع الالتزام العسكري الأميركي في منطقة تشهد أصلاً تعدد ساحات المواجهة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة السياسة الأميركية الحالية باعتبارها محاولة لتحقيق معادلة دقيقة: الاحتفاظ بالنفوذ والقدرة على الرد، من دون تحمل تكلفة فتح حرب جديدة.
السعودية أمام اختبار استراتيجي
أما الرياض، فتجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً. فالسعودية تخوض مواجهة متصاعدة مع الحوثيين، بينما تتعرض منشآتها وطرق تصدير الطاقة لضغوط متزايدة.
وقد دفعت التطورات الأخيرة المملكة إلى البحث عن دعم عسكري وسياسي أوسع، في وقت أشارت فيه تقارير إلى حاجة الرياض إلى مساعدة حلفاء إقليميين ودوليين في مجال الدفاع الجوي والصاروخي.
وفي المقابل، يبدو أن واشنطن تريد من شركائها الإقليميين تحمل جزء أكبر من مسؤولية إدارة الأزمات المحلية، مع احتفاظها بالدور العسكري المباشر عندما ترى أن مصالحها الأساسية مهددة.
هل نحن أمام انسحاب أميركي؟
الحديث عن انسحاب أميركي من المنطقة يبدو، في هذه المرحلة، سابقاً لأوانه. فواشنطن لا تزال حاضرة عسكرياً وسياسياً، وتنسق مع السعودية، وتتابع أمن الملاحة، وتخوض مواجهة مباشرة مع إيران.
لكن ما يتغير هو شكل الحضور الأميركي.
فبدلاً من الانتقال تلقائياً من التهديد إلى القصف، تحاول الإدارة الجمع بين الردع، والاستخبارات، والدعم العسكري غير المباشر، والضغط الاقتصادي، والاتصالات الدبلوماسية. وهذه المقاربة تسمح لها بالحفاظ على أدوات النفوذ من دون الالتزام مسبقاً بتوسيع الحرب.
ومن هنا، فإن ما يجري قد لا يكون مقدمة لانسحاب أميركي بقدر ما يمثل إعادة تعريف لحدود التدخل الأميركي.
بين الردع وضبط التصعيد
المعضلة الأساسية أمام واشنطن أن سياسة عدم التدخل المباشر قد تساعد على تجنب حرب أوسع، لكنها في الوقت نفسه تضع حلفاءها أمام مسؤولية أكبر وتمنح خصومها، بحسب بعض التحليلات، مساحة أوسع للمناورة.
وقد وصفت رويترز التقدم الحوثي الأخير بأنه وضع الولايات المتحدة أمام معضلة جديدة: إما تقديم دعم مباشر للسعودية مع احتمال توسيع الحرب، أو الاستمرار في الاكتفاء بالدعم غير المباشر مع احتمال اتساع نفوذ الحوثيين على ساحل البحر الأحمر.
وهكذا، لا يبدو أن السؤال الأميركي الحالي هو ببساطة: هل تنسحب واشنطن أم تبقى؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: ما حجم التدخل الذي تستطيع الولايات المتحدة تحمله، وما الحدود التي ستدفعها إلى الانتقال من الدعم غير المباشر إلى العمل العسكري المباشر؟
وفي ظل استمرار الحرب مع إيران، وتصاعد المواجهة في اليمن، وتهديد طرق الطاقة والملاحة، ستكون الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة ليس فقط بتطورات الميدان، وإنما أيضاً بحسابات واشنطن السياسية والاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.