رحلة أحمد سلطانة إلى الجزائر وأسئلة توظيف قضية الريف في الصراع المغربي ـ الجزائري

حنان الفاتحي

Screenshot

تثير رحلة الناشط الريفي أحمد سلطانة إلى الجزائر، وما رافقها من تحركات وتصريحات ومواقف سياسية، جملة من التساؤلات بشأن طبيعة الأدوار التي بات يضطلع بها بعض النشطاء المرتبطين بحراك الريف في الخارج، ومدى استقلالية خطابهم عن التجاذبات الجيوسياسية التي تحكم العلاقات المغربية ـ الجزائرية.

ولا تكمن أهمية هذا الملف في شخص أحمد سلطانة وحده، وإنما في التحول الذي طرأ على جزء من الخطاب المرتبط بالقضية الريفية، وانتقاله من المطالب الاجتماعية والحقوقية التي شكلت أساس حراك الريف إلى خطاب سياسي يتضمن أحياناً مواقف تتقاطع مع أجندات أطراف إقليمية معروفة بمواقفها المعادية للمغرب.

رحلة الجزائر… أكثر من مجرد تنقل؟

يُنظر إلى زيارة أحمد سلطانة إلى الجزائر، في أوساط سياسية وإعلامية، باعتبارها محطة تستحق البحث والتدقيق، خصوصاً في ظل السياق الإقليمي المتوتر بين الرباط والجزائر.

وحسب مصادر مطلعة مفادها أن الزيارة لم تكن مجرد تحرك شخصي، وإنما جاءت في سياق اتصالات مع جهات مرتبطة بأجهزة الاستخبارات الجزائرية، وعلى رأسها ما يُشار إليه تاريخياً بجهاز DRS، بهدف استقطاب عدد من المعارضين المغاربة، ولا سيما بعض الوجوه المرتبطة بحراك الريف، وتوظيف حضورهم في خدمة أجندات سياسية جزائرية.

وتذهب هذه المصادر إلى أن بعض هؤلاء النشطاء جرى استدعاؤهم أو استقطابهم إلى الجزائر للمشاركة في أنشطة إعلامية وسياسية تتناول المغرب، بما في ذلك ملفات مرتبطة بالصحراء المغربية وجبهة البوليساريو.

من المطالب الاجتماعية إلى خطاب سياسي جديد

كان حراك الريف، في بداياته، مرتبطاً أساساً بمطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية، وباحتجاجات على أوضاع التنمية والصحة والتشغيل والبنية التحتية في المنطقة.

غير أن المشهد تغير تدريجياً، خصوصاً في صفوف بعض النشطاء المقيمين في أوروبا، حيث ظهرت خطابات تتجاوز المطالب الاجتماعية إلى مواقف سياسية أكثر راديكالية، وصلت لدى بعض الأصوات إلى طرح قضايا تتعلق بهوية الريف ومستقبله السياسي.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعكس هذا التحول تطوراً مستقلاً في قناعات بعض النشطاء، أم أنه يتقاطع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع أجندات دول أو جهات خارجية؟

 بيع قضية حراك الريف بالخمسين ألف يورو

من بين أكثر الاتهامات حساسية المتداولة بشأن أحمد سلطانة المعلومات المؤكدة بأنه تلقى مبلغاً يناهز 50 ألف يورو مقابل مواقف سياسية معادية للمغرب، وفي إطار نشاط يُقال إنه يخدم أجندة جزائرية.

وتؤكد نفس المصادر إلى أن سلطانة كان يعيش، قبل بروزه في هذا النشاط السياسي، ظروفاً اجتماعية ومهنية صعبة بإسبانيا، وأنه انتقل لاحقاً إلى العمل السياسي والإعلامي المرتبط بالقضية الريفية.

كما تتضمن نفس المصادر اتهامات أخرى تتعلق بارتباطه سابقاً بشبكات لتجارة المخدرات في إسبانيا وبشخص يعرف باسم «جواد»، إلا ان البحث عن المال بأساليب سهلة جعله ينبطح أمام الإغراءات الجزائرية.

هل تحولت قضية الريف إلى ورقة جيوسياسية؟

فالجزائر تنخرط منذ عقود في دعم جبهة البوليساريو، فيما تشكل قضية الصحراء أحد أبرز محاور التوتر بين الجزائر والمغرب. وفي هذا السياق، فإن أي خطاب صادر عن ناشطين مغاربة في الخارج ويتقاطع بصورة واضحة مع المواقف الجزائرية بشأن المغرب يستحق الدراسة والتحليل، من دون أن يعني ذلك تلقائياً وجود علاقة تنظيمية أو مالية بين أصحابه والسلطات الجزائرية.

وتزداد حساسية المسألة عندما تتحول قضية الريف من مطالب اجتماعية وحقوقية إلى خطاب يربط مستقبل المنطقة بمشاريع سياسية تتجاوز الإطار المغربي.

المعتقلون… بين المطالبة الحقوقية والاستثمار السياسي

لا خلاف على أن ملف معتقلي حراك الريف ظل حاضراً في الخطاب السياسي والحقوقي داخل المغرب وخارجه.

لكن استخدام شعار «إطلاق سراح المعتقلين» يمكن أن يأخذ أبعاداً مختلفة بحسب الجهة التي ترفعه والسياق الذي يوضع فيه. فالمطالبة بالإفراج عن المعتقلين أو الدفاع عن حقوقهم تظل في حد ذاتها موقفاً سياسياً وحقوقياً مشروعاً، لكنها لا تمنح أي شخص حق احتكار تمثيل الريف أو الادعاء بالتحدث باسم جميع أبنائه.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الدفاع عن الحقوق والحريات من جهة، وبين توظيف هذا الملف في أجندة جيوسياسية خارجية من جهة أخرى.

الريف ليس ملكاً لأحد

القضية الريفية أكبر من أن تختزل في شخص أو تنظيم أو شعار.

فالريف جزء أصيل من المغرب، وله تاريخ سياسي وثقافي واجتماعي غني، كما أن سكانه لهم الحق في التعبير عن مطالبهم والدفاع عن مصالح منطقتهم بالوسائل السلمية والقانونية.

لكن في المقابل، فإن تحويل المعاناة الاجتماعية إلى أداة في صراع إقليمي قد يؤدي إلى إفراغ المطالب الأصلية من مضمونها، وتحويل قضية محلية إلى ورقة تستخدمها أطراف خارجية في مواجهاتها السياسية.

ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصب فقط على الأشخاص والشعارات، وإنما على مصادر التمويل، وشبكات العلاقات، والجهات المنظمة، ومصادر الدعم، وطبيعة الاتصالات السياسية والإعلامية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com