الهجرة العكسية نحو المغرب.. لماذا تختار عائلات مغربية ومسلمة مغادرة أوروبا والاستقرار في مدن الشمال؟

سومية العلكي

لم تعد العودة إلى المغرب بالنسبة إلى عدد من العائلات المغربية والمسلمة المقيمة في أوروبا مجرد زيارة موسمية أو خياراً مؤقتاً لقضاء العطل، بل تحولت لدى بعضها إلى مشروع استقرار طويل الأمد، بعد سنوات، وأحياناً عقود، من الإقامة في دول مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا. وتبرز مدن الشمال، خصوصاً تطوان وطنجة، ضمن الوجهات التي تستقطب اهتمام هذه الأسر، في ظاهرة توصف بـ«الهجرة العكسية».

وتكشف شهادات متداولة في أوساط الجالية المغربية، إلى جانب نقاشات متزايدة على المنصات الرقمية المهتمة بالشأن المحلي، عن تحولات في أولويات عدد من الأسر التي باتت تنظر إلى العودة باعتبارها خياراً مرتبطاً بجودة الحياة والاستقرار الاجتماعي والتربوي، وليس فقط بالاعتبارات الاقتصادية. ومع ذلك، لا تتوفر إلى حدود الآن معطيات إحصائية رسمية دقيقة تسمح بتحديد حجم هذه الحركة أو قياس تطورها بشكل موضوعي.

ضغوط الحياة الأوروبية وتزايد صعوبة الاستقرار

لا ترتبط دوافع العودة بالاعتبارات التربوية وحدها. فهناك عوامل اجتماعية وإدارية ومهنية وصحية تساهم بدورها في إعادة تشكيل قرارات عدد من الأسر. إذ أصبحت التعقيدات الإدارية، وتعدد الشروط القانونية، وتشدد بعض الإجراءات التي تطبقها دول أوروبية على العمال والمرضى، من بين الأسباب التي تدفع بعض المقيمين إلى إعادة النظر في مستقبلهم داخل هذه البلدان.

ويجد عدد من العمال أنفسهم أمام منظومة متزايدة التعقيد فيما يتعلق بشروط العمل والإقامة والحقوق الاجتماعية، في حين يواجه المرضى صعوبات مرتبطة بالإجراءات الإدارية، وشروط الاستفادة من بعض الخدمات والتغطيات الصحية، بحسب اختلاف الأنظمة والقوانين الوطنية. وتضاف إلى ذلك تكاليف المعيشة والسكن والضغوط المهنية، وهي عوامل تجعل الاستقرار في أوروبا أقل جاذبية بالنسبة إلى بعض الأسر، خصوصاً عندما تتقدم بها السن أو تتغير أوضاعها الاجتماعية والصحية.

وفي ظل هذه التحولات، لم يعد قرار العودة بالضرورة نتيجة تعثر اقتصادي أو فشل في الاندماج، بل قد يكون اختياراً واعياً للبحث عن نمط حياة أكثر ملاءمة للظروف العائلية والشخصية.

التربية والهوية في صلب قرار العودة

يحتل البعد التربوي موقعاً متقدماً في تفسيرات هذه الظاهرة. فعدد من الآباء والأمهات يعبرون عن تخوفهم من طبيعة المضامين التعليمية والتوجيهات التربوية المتعلقة ببعض القضايا المرتبطة بالهوية والجنس والأسرة، والتي يرون أنها لا تنسجم دائماً مع مرجعيتهم الدينية والثقافية.

ويبرز هذا التخوف بصورة أكبر عندما يصل الأبناء إلى مرحلة المراهقة، وهي فترة تتشكل خلالها ملامح الشخصية وتتطور فيها القدرة على بناء المواقف والتصورات الخاصة. وتجد بعض الأسر نفسها أمام تحدي التوفيق بين ما تتبناه داخل البيت من قيم وتوجيهات، وبين ما يتلقاه الأبناء في المدرسة وفي محيطهم الاجتماعي.

ولا يعني هذا بالضرورة وجود تعارض شامل بين الأسرة والمدرسة في المجتمعات الأوروبية، بقدر ما يعكس اختلافاً في المرجعيات والتصورات التربوية لدى بعض العائلات، ورغبتها في الاحتفاظ بدور أكبر في توجيه أبنائها وصيانة ارتباطهم بلغتهم ودينهم وثقافتهم الأصلية.

ومن هذا المنطلق، تبحث هذه الأسر عن بيئة تتيح لها الجمع بين التعليم الجيد والتنشئة الأسرية، دون أن تضطر إلى الاختيار بين الاندماج في المجتمع الذي تعيش فيه والمحافظة على خصوصيتها الثقافية والدينية.

لماذا تطوان وطنجة؟

لم يكن توجه بعض العائلات نحو مدن الشمال المغربي اعتباطياً. فتطوان وطنجة توفران مجموعة من العوامل التي تجعل العودة إليهما خياراً عملياً، من بينها القرب الجغرافي من أوروبا، والروابط العائلية والاجتماعية التي لا تزال قائمة، فضلاً عن الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمنطقة.

كما تتوفر المدينتان على مؤسسات تعليمية خاصة ودولية، إلى جانب مدارس تعتمد مناهج مختلفة، وهو ما يمنح الأسر هامشاً أوسع لاختيار المسار التعليمي الذي يتناسب مع تطلعاتها. ويضاف إلى ذلك تطور البنية التحتية والخدمات، واتساع العرض العقاري، والحركية الاقتصادية التي تعرفها المنطقة، خصوصاً في طنجة.

وتتيح المسافة الجغرافية القصيرة نسبياً بين شمال المغرب وعدد من العواصم والمدن الأوروبية استمرار الروابط المهنية والعائلية مع بلدان الإقامة السابقة، وهو عامل مهم بالنسبة إلى الأسر التي لا ترغب في قطع صلاتها نهائياً بأوروبا.

من العودة العائلية إلى الاستثمار

لا تقتصر تداعيات هذه الحركة على الجانب الاجتماعي والتربوي، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي. فقد أصبحت مجموعات رقمية وصفحات متخصصة في الاستثمار وتبادل التجارب فضاءً لطرح أسئلة متزايدة حول تأسيس المقاولات، وشراء العقارات، وإطلاق مشاريع تجارية وخدماتية في مدن الشمال.

وبالنسبة إلى بعض العائدين، تمثل المدخرات التي جرى تجميعها خلال سنوات العمل في أوروبا رأسمالاً أولياً يسمح بالانتقال من وضعية الأجير إلى المبادرة الاقتصادية المستقلة. ويعكس هذا التوجه رغبة في بناء مصدر دخل محلي يضمن الاستقرار العائلي ويقلص الارتباط اليومي بمتطلبات الحياة في الخارج.

غير أن نجاح هذه المشاريع يظل مرتبطاً بمدى توفر بيئة استثمارية واضحة، وإجراءات إدارية مبسطة، ومواكبة حقيقية للمقاولين العائدين، حتى لا تتحول العودة إلى تجربة تصطدم بالعراقيل نفسها التي دفعت بعضهم إلى البحث عن بدائل.

عودة تطرح أسئلة على السياسات العمومية

تضع ظاهرة الهجرة العكسية المؤسسات المغربية أمام أسئلة تتجاوز الترحيب الرمزي بأفراد الجالية العائدين. فاستقطاب هذه الفئة والحفاظ على استقرارها يقتضيان توفير خدمات تعليمية وصحية وإدارية تستجيب لانتظاراتها، إلى جانب تيسير الاستثمار والاعتراف بالخبرات المهنية التي راكمها المغاربة في الخارج.

كما أن فهم هذه التحولات يستدعي إجراء دراسات ميدانية وإحصائية تحدد حجم العودة، وترصد دوافعها الحقيقية، وتفسر الاختلاف بين العائلات التي اختارت الاستقرار النهائي وتلك التي تعتمد نمط الإقامة المتنقلة بين المغرب وأوروبا.

في المحصلة، تبدو الهجرة العكسية تعبيراً عن تغير في حسابات بعض الأسر المغربية والمسلمة المقيمة بالخارج. فبين التعقيدات القانونية والإدارية، والضغوط المرتبطة بالعمل والصحة، والانشغالات التربوية والثقافية، تتداخل عوامل متعددة لتجعل العودة إلى المغرب خياراً مطروحاً بقوة لدى شريحة من المهاجرين. ويبقى التحدي أمام المغرب هو تحويل هذا الاختيار إلى استقرار فعلي، من خلال سياسات عمومية قادرة على مواكبة العائدين وتوفير الشروط الضرورية لاندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com