الانتخابات التشريعية المغربية.. المحاضر والمراقبة المستقلة في صلب ضمانات نزاهة الاقتراع
بوشعيب البازي
تشكل الانتخابات التشريعية المغربية، التي انطلقت اليوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، محطة جديدة في المسار المؤسساتي للمملكة، في ظل منظومة قانونية وإجرائية تسعى إلى تأطير مختلف مراحل العملية الانتخابية، من التصويت وفرز الأصوات إلى إحصائها وإعلان النتائج، مع إسناد أدوار واضحة لممثلي لوائح الترشيح والمراقبين المعتمدين.
وتجري الانتخابات لاختيار أعضاء مجلس النواب البالغ عدد مقاعده 395 مقعداً، في اقتراع عام مباشر باللائحة، وفق الإطار القانوني والتنظيمي المعتمد لهذه الاستحقاقات.
ولا تقتصر ضمانات العملية الانتخابية على لحظة وضع ورقة التصويت داخل الصندوق، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد إغلاق مكاتب الاقتراع، حيث تكتسب عمليات الفرز وإحصاء الأصوات وتحرير المحاضر أهمية مركزية في توثيق النتائج وضمان إمكانية تتبعها ومراجعتها.
المحاضر.. وثيقة أساسية في تتبع النتائج
في هذا السياق، تبرز المحاضر الانتخابية باعتبارها إحدى أهم الوثائق التي توثق بصورة رسمية ما جرى داخل مكاتب التصويت ومختلف مراحل إحصاء الأصوات.
وأكد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، في دورية موجهة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، أن القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يمنح ممثلي لوائح الترشيح حق مراقبة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، كما يتيح لهم طلب تضمين ملاحظاتهم في المحاضر.
ولا يتوقف الأمر عند حق المراقبة، إذ أكدت الدورية حق ممثلي اللوائح في الحصول على نسخ من محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، مع التأكيد على أن لهذه النسخ الحجية نفسها التي تتمتع بها نظائرها الأصلية.
ويحمل هذا المقتضى أهمية عملية كبيرة، لأنه يجعل المحضر أداة للتوثيق والمقارنة والمراجعة، وليس مجرد وثيقة إدارية تحفظ بعد انتهاء الاقتراع. فامتلاك ممثل اللائحة نسخة من المحضر يتيح له الاحتفاظ بالمعطيات التي تم تسجيلها في مكتب التصويت، ومقارنتها لاحقاً بالنتائج المعلنة في مختلف مراحل الإحصاء.
عقوبات قانونية لحماية حق الحصول على المحاضر
وتذهب المنظومة القانونية أبعد من مجرد الاعتراف بحق ممثلي اللوائح في الحصول على المحاضر، إذ تضع جزاءات على الامتناع عن تسليمها.
وبحسب الدورية الوزارية، تنص المادة 57 من القانون التنظيمي رقم 27.11 على معاقبة رئيس مكتب التصويت الذي يمتنع عن تسليم نسخة من محضر العمليات الانتخابية إلى ممثل لائحة ترشيح كان حاضراً أثناء إعداد النسخ وتسليمها، بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وبغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم.
ويعكس هذا المقتضى فلسفة قانونية تقوم على اعتبار شفافية المحاضر جزءاً من سلامة العملية الانتخابية، وعلى أن توثيق النتائج لا ينبغي أن يبقى حكراً على الإدارة المشرفة على الاقتراع، وإنما يشمل أيضاً ممثلي اللوائح المتنافسة.
كما يمنح القانون المترشحات والمترشحين المعنيين حق الاطلاع على محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء لمدة ثمانية أيام كاملة، خلال أوقات العمل الرسمية، ابتداء من تاريخ وضعها. وتكتسب هذه الآلية أهمية إضافية في الحالات التي تنشأ فيها منازعات أو طعون بشأن النتائج.
المراقبة المستقلة.. أكثر من ثلاثة آلاف ملاحظ
وبالتوازي مع الرقابة التي يمارسها ممثلو لوائح الترشيح، تعرف الانتخابات التشريعية لسنة 2026 حضوراً لافتاً للمراقبة الانتخابية المستقلة.
فقد أعلنت اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظي الانتخابات اعتماد 26 جمعية ومنظمة غير حكومية ومؤسسات وطنية، إضافة إلى 30 هيئة ومنظمة دولية، بمشاركة إجمالية بلغت 3,006 ملاحظات وملاحظين.
وتشمل هذه العملية 783 ملاحظاً تابعين للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، و2,023 ملاحظاً يمثلون جمعيات غير حكومية مغربية، فضلاً عن مشاركات دولية وإقليمية ودبلوماسية.
وتستند المراقبة المستقلة والمحايدة إلى القانون رقم 30.11، الذي يؤطر شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات. ويمنح الملاحظين المعتمدين إمكانية الولوج إلى مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، ومتابعة عمليات التصويت والفرز وإعلان النتائج، مع إعداد تقارير تقييمية حول العملية الانتخابية.
غير أن هذه الصلاحيات تقابلها التزامات واضحة، في مقدمتها احترام الحياد والاستقلالية والموضوعية، وعدم التدخل في العملية الانتخابية أو التأثير في الاختيار الحر للناخبين، فضلاً عن احترام سرية التصويت والقواعد المنظمة للمراقبة.
من صندوق الاقتراع إلى إعلان النتائج
وتكتسي هذه الضمانات أهمية خاصة لأن نزاهة الانتخابات لا تختزل في سلامة لحظة التصويت وحدها. فالعملية الانتخابية سلسلة مترابطة تبدأ بتسجيل الناخبين وتحديد لوائحهم، مروراً بالحملة والاقتراع، ثم الفرز وإحصاء الأصوات وتحرير المحاضر، وصولاً إلى إعلان النتائج والنظر في الطعون.
ومن هذه الزاوية، تمثل المحاضر حلقة مركزية في سلسلة التوثيق الانتخابي. فهي التي تنقل العملية من المجال المادي داخل مكتب التصويت إلى وثيقة رسمية قابلة للرجوع إليها، كما أن تمكين ممثلي اللوائح من نسخها يوفر أساساً عملياً لمقارنة المعطيات وتوثيق الملاحظات والاعتراضات المحتملة.
أما المراقبة المستقلة، فتضيف مستوى آخر من التتبع، يقوم على رصد العملية من خارج أجهزة الإدارة الانتخابية والأحزاب المتنافسة، وفق قواعد الاستقلال والحياد المنصوص عليها قانوناً.
الشفافية لا تقاس بالنصوص فقط
ومع ذلك، فإن وجود الضمانات القانونية يشكل إطاراً مؤسساتياً، بينما تظل فعالية هذه الضمانات مرتبطة بكيفية تطبيقها ميدانياً واحترامها من جميع المتدخلين.
فالنص القانوني يمنح ممثل اللائحة حق الحصول على المحضر، لكن القيمة العملية لهذا الحق تتوقف على تسليمه في الوقت المحدد وبالشكل القانوني. كما أن وجود ملاحظين معتمدين لا يكتسب دلالته الكاملة إلا إذا تمكنوا من ممارسة مهامهم باستقلالية ووفق القواعد التي تحكم عملية المراقبة.
وبذلك، فإن اختبار شفافية الانتخابات لا يرتبط فقط بإعلان النتائج النهائية، وإنما أيضاً بقدرة النظام الانتخابي على توفير سلسلة واضحة وقابلة للتتبع بين التصويت والفرز والإحصاء وتحرير المحاضر وإعلان النتائج، مع ضمان إمكانية اللجوء إلى الآليات القانونية عند وجود اعتراضات أو منازعات.
وفي نهاية المطاف، تظل شرعية النتائج الانتخابية مرتبطة ليس فقط بعدد الأصوات التي يحصل عليها كل طرف، وإنما أيضاً بسلامة الإجراءات التي أنتجت تلك النتائج، وبمدى قابلية هذه الإجراءات للتوثيق والمراقبة والمراجعة وفق القانون.
ومن هنا تبرز أهمية المحاضر، وحقوق ممثلي اللوائح، والملاحظة الانتخابية المستقلة، باعتبارها حلقات متكاملة في منظومة يفترض أن تجعل العملية الانتخابية قابلة للتتبع من لحظة فتح صناديق الاقتراع إلى لحظة تثبيت النتائج النهائية.