المواعيد القنصلية.. حين تتحول الرقمنة من أداة للتيسير إلى حلقة جديدة في معاناة الجالية

بوشعيب البازي

كان يفترض أن تشكل خدمة المواعيد القنصلية الرقمية خطوة مؤسساتية مهمة في مسار تحديث الإدارة المغربية بالخارج، بما يضمن تنظيم تدفق المرتفقين، والحد من الاكتظاظ، وتبسيط الإجراءات، وتمكين أفراد الجالية المغربية من الولوج إلى الخدمات القنصلية في ظروف أكثر وضوحاً وشفافية.

غير أن الممارسة اليومية تكشف، في بعض القنصليات المغربية دون ذكر الاسم ، عن اختلالات تستحق أن تحظى باهتمام وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع طلبات المواعيد والمصادقة عليها.

فمن غير المنطقي أن يتقدم أحد أفراد الجالية بطلب موعد عبر المنصة المخصصة لذلك، ثم يظل في انتظار المصادقة ثلاثة أو أربعة أيام، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الرقمنة وسيلة لتقليص آجال الانتظار وتسريع معالجة الطلبات، لا أن تتحول إلى مرحلة إضافية من مراحل الانتظار الإداري.

والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض الطلبات قد تظل، بحسب شكاوى مرتفقين، دون معالجة أو متابعة واضحة، الأمر الذي يضع المواطن أمام سؤال مشروع: هل تم رفض الطلب؟ أم أنه لا يزال قيد المعالجة؟ أم أن الطلب لم تتم معاينته أصلاً؟

الرقمنة وحدها لا تكفي

إن اعتماد منصة إلكترونية للمواعيد لا يعني بالضرورة نجاح الإصلاح الإداري. فالرقمنة ليست مجرد نقل الإجراء من الورق إلى الشاشة، وإنما هي منظومة متكاملة يفترض أن تقوم على السرعة، والشفافية، وقابلية التتبع، والمساواة في الولوج إلى الخدمة.

وعندما يتم تقديم خدمة رقمية للمواطن، فإن من حقه أن يعرف مصير طلبه، والمدة التقريبية لمعالجته، وما إذا كانت هناك وثائق أو معلومات إضافية مطلوبة منه. أما ترك الطلبات في فضاء إداري غامض، من دون جواب أو تفسير، فيفرغ العملية الرقمية من جزء أساسي من أهدافها.

ولا يتعلق الأمر هنا بانتقاد الموظفين أو القنصليات بشكل جماعي، فهناك مصالح قنصلية تشتغل في ظروف صعبة وتواجه ضغطاً كبيراً من حيث عدد المرتفقين وتنوع الملفات. لكن الاعتراف بهذه الإكراهات لا ينبغي أن يمنع الإدارة المركزية من تقييم الأداء ورصد الاختلالات حيثما وجدت.

من يراقب احترام آجال معالجة المواعيد؟

هنا تبرز مسؤولية الإدارة المختصة بوزارة الخارجية في وضع آلية واضحة لتتبع أداء الخدمات القنصلية الرقمية.

فإذا كانت الوزارة قد استثمرت في إنشاء خدمة المواعيد بهدف تحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن، فمن الطبيعي أن ترافق هذه الخدمة بمنظومة للتقييم والمراقبة، تشمل مثلاً متوسط مدة المصادقة على الطلبات، ونسبة الطلبات التي تمت معالجتها داخل الآجال المحددة، وعدد الطلبات التي بقيت دون جواب، إضافة إلى آليات استقبال الشكايات ومعالجتها.

ومن غير المعقول أن تصبح جودة الخدمة رهينة باجتهاد كل قنصلية على حدة، بحيث يجد المواطن نفسه أمام تفاوت واضح في طريقة معالجة الموعد بحسب المكان الذي يقيم فيه.

الحاجة إلى رقابة إدارية أكثر فعالية

لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على منصة المواعيد نفسها، بل يجب أن يمتد إلى طريقة إدارتها ومراقبة نتائجها.

وقد يكون من المفيد أن تعتمد الوزارة نظاماً مركزياً للمراقبة يسمح لها بمعرفة مؤشرات أداء مختلف القنصليات، والتنبيه إلى الحالات التي تعرف تراكمات غير مبررة في طلبات المواعيد. كما يمكن وضع معايير موحدة للمدة القصوى المقبولة لمعالجة الطلب، مع إخضاع المصالح التي تسجل تأخيرات متكررة لتقييم إداري دوري.

وبعبارة أخرى، إذا كانت هناك قنصليات تتعامل مع نظام المواعيد باعتباره مجرد إجراء ثانوي، فإن الوقت قد حان لكي تتحول المؤشرات الرقمية إلى أداة للمساءلة الإدارية.

الجالية لا تطلب امتيازاً.. بل خدمة عمومية

أفراد الجالية المغربية في الخارج لا يطالبون بامتيازات خاصة، وإنما بخدمة عمومية فعالة ومحترمة، خصوصاً أن كثيراً من الوثائق والإجراءات القنصلية ترتبط بآجال محددة: وثائق السفر، الحالة المدنية، الوكالات، التصديقات، الملفات الإدارية وغيرها.

وقد يؤدي تأخر موعد واحد إلى سلسلة من التأخيرات، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يقطنون بعيداً عن مقر القنصلية، أو الذين يتعين عليهم الحصول على وثائق مرتبطة بموعد إداري أو قانوني محدد.

ومن هنا، فإن تحسين أداء المواعيد ليس تفصيلاً تقنياً، بل جزء من السياسة العمومية الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج.

القنصلية التي لا تواكب الإصلاح تصبح الحلقة الأضعف

لقد قطعت الإدارة المغربية أشواطاً مهمة في مجال تحديث الخدمات العمومية ورقمنتها. ومن ثم، فإن استمرار بعض الممارسات البطيئة داخل أي مرفق قنصلي يمكن أن يجعل القنصلية تبدو وكأنها الحلقة الأضعف في سلسلة الإصلاح الإداري.

والحل لا يكمن في إطلاق أحكام عامة على جميع القنصليات، وإنما في اعتماد منظومة دقيقة للقياس والمقارنة والتقييم، تسمح بتحديد مكامن الخلل ومعالجتها، ومكافأة المصالح التي تحقق أداءً جيداً، والتدخل عندما تظهر اختلالات متكررة.

فوزارة الخارجية، باعتبارها الجهة المشرفة، تملك القدرة على تحويل منصة المواعيد من مجرد أداة تقنية إلى منظومة حقيقية للحكامة والشفافية.

وفي النهاية، فإن المواطن المغربي المقيم بالخارج لا يريد أن يعرف فقط أن هناك منصة إلكترونية للمواعيد؛ بل يريد أن يشعر بأن هذه المنصة تعمل فعلاً، وأن طلبه يوجد داخل مسار إداري واضح، وأن هناك جهة مسؤولة تراقب احترام الآجال وجودة الخدمة.

فالإدارة الحديثة لا تقاس بعدد المنصات التي تطلقها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطن. وإذا كان شعار الإصلاح هو تقريب الإدارة من المرتفق، فإن أول اختبار لذلك يبدأ من أبسط سؤال: متى سيُعالج طلبي؟

ومن هنا، فإن إخضاع منظومة المواعيد القنصلية لمراقبة مركزية دورية، وربطها بمؤشرات أداء واضحة، قد يكون خطوة عملية لوضع حد للتفاوت في جودة الخدمات، وضمان أن يستفيد جميع المغاربة المقيمين بالخارج من نفس المعايير الإدارية، أينما كانت قنصليتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com