أزمة نظافة تتجاوز حدود الإهمال
لم تعد أزمة النظافة بمدينة القنيطرة مجرد اختلال عابر في تدبير مرفق عمومي، ولا مجرد تأخر محدود في مرور شاحنات جمع النفايات. ما يحدث في عدد من الأحياء أصبح مشهداً يومياً يثير القلق والاستياء، بعدما تحولت أكوام الأزبال المتراكمة إلى جزء من الحياة العادية للسكان، وأصبح المواطن مضطراً إلى التعايش مع الروائح الكريهة والحشرات والقوارض، في مشهد لا يليق بمدينة يفترض أن تكون في صلب الدينامية الحضرية التي يعرفها المغرب.
في أحياء مثل الساكنية والإرشاد والمسيرة ووريدة وغيرها، تتراكم النفايات حول الحاويات وفي محيطها، وأحياناً تبقى لأيام طويلة قبل أن تمر شاحنات الجمع. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول هذه النفايات إلى بؤر للروائح والتعفن والحشرات، بينما يجد السكان أنفسهم أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
الساكنية والمسيرة ووريدة.. أحياء تدفع ثمن الاختلال
المشكلة لا تكمن فقط في وجود النفايات، فالقمامة جزء طبيعي من الحياة الحضرية، وإنما في الطريقة التي يتم بها تدبيرها. المدينة الحديثة تنتج النفايات، لكنها تمتلك في المقابل منظومة لجمعها ونقلها ومعالجتها. أما أن تظل النفايات متراكمة في الشوارع والأحياء لأيام، فذلك يعني أن إحدى حلقات هذه المنظومة لا تعمل كما ينبغي.

السكان في عدد من الأحياء الشعبية لا يطالبون بخدمة استثنائية ولا بامتيازات خاصة. مطلبهم أبسط من ذلك بكثير: أن ترفع النفايات في الوقت المناسب، وأن تنظف الحاويات ومحيطها، وأن يتم التعامل مع الأحياء الشعبية بالجدية نفسها التي يتم التعامل بها مع وسط المدينة والمناطق التي تحظى بعناية أكبر.
القنيطرة بوجهين
المفارقة أن القنيطرة تبدو أحياناً وكأنها مدينة بوجهين. هناك قنيطرة أخرى تظهر في وسط المدينة وبعض الشوارع الرئيسية والمناطق التي تحظى بعناية أكبر، حيث يمكن للمواطن أن يرى مستوى مقبولاً نسبياً من النظافة والتنظيم. ثم هناك قنيطرة أخرى تبدأ عند عدد من الأحياء الشعبية، حيث تتغير الصورة بسرعة وتظهر أكوام النفايات والروائح الكريهة ومظاهر الإهمال.

هذه الازدواجية تطرح سؤالاً حول العدالة المجالية في تقديم الخدمات العمومية. فالنظافة ليست واجهة يجب تحسينها في الشوارع الرئيسية فقط، وليست خدمة مرتبطة بالمناطق التي يمر منها المسؤولون أو الزوار. إنها حق يومي لجميع السكان، سواء كانوا في وسط المدينة أو في الساكنية والإرشاد والمسيرة ووريدة.
شاحنات يفترض أن تحمل النظافة.. لكنها تحمل الروائح أيضاً
حتى شاحنات جمع النفايات أصبحت موضوع انتقاد متكرر لدى السكان. فالمشهد الذي يفترض أن يرمز إلى معالجة المشكلة يتحول أحياناً إلى جزء منها، عندما تمر شاحنة محملة بالنفايات وهي تنشر وراءها روائح نفاذة ومزعجة.
المشكلة هنا ليست في العمال الذين يؤدون عملاً شاقاً في ظروف صعبة، وإنما في حالة الأسطول وطريقة صيانته وتنظيفه ومدى احترام الشروط الصحية والبيئية المرتبطة بنقل النفايات. فمن غير المنطقي أن تكون الوسيلة التي يفترض أن تساهم في تنظيف المدينة مصدراً إضافياً للروائح والتلوث.
من كازاتيكنيك إلى أرما هولدينغ.. ثم أرما الساكنية
قطاع النظافة بالقنيطرة عرف خلال السنوات الماضية انتقالاً بين شركات وأشكال مختلفة من التدبير، من كازاتيكنيك إلى أرما هولدينغ، وصولاً إلى الصيغة المرتبطة بـ«أرما الساكنية». غير أن السؤال الذي يهم المواطن ليس عدد الأسماء التي تعاقبت على القطاع، وإنما حجم التغيير الذي انعكس فعلياً على الشارع.
إذا كان تغيير الشركة أو إعادة تنظيم التدبير يهدف إلى تحسين الخدمة، فمن حق السكان أن يسألوا عن النتائج. هل انخفضت مدة بقاء النفايات في الشوارع؟ هل ارتفع عدد الجولات اليومية؟ هل تحسنت حالة الحاويات؟ هل أصبحت الشاحنات أكثر جاهزية؟ وهل توجد مراقبة حقيقية لأداء المتعهد؟
أما أن تتغير الأسماء بينما يبقى المشهد نفسه، فإن ذلك يجعل المواطن يتساءل عما إذا كان الخلل في اسم الشركة أصلاً أم في طريقة تدبير القطاع ومراقبته.
المجلس الجماعي.. المسؤولية لا يمكن أن تختفي خلف الشركة
وجود شركة مفوض لها تدبير قطاع النظافة لا يعني أن المجلس الجماعي فقد مسؤوليته. فالتدبير المفوض يقوم أساساً على علاقة تعاقدية يكون فيها المجلس مطالباً بمراقبة المتعهد والتأكد من احترامه لدفتر التحملات ومستوى الخدمة المتفق عليه.
وعندما تتكرر شكايات السكان، وتبقى النفايات متراكمة في عدد من الأحياء، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند الشركة. السؤال يمتد بالضرورة إلى الجهة التي تراقبها: هل تتم عمليات التفتيش بشكل يومي؟ هل تسجل المخالفات؟ هل تطبق الجزاءات؟ وهل يتم اقتطاع مستحقات الشركة عندما لا تحترم مستوى الخدمة المطلوب؟
المواطن لا يهمه في النهاية من يحمل المسؤولية داخل المكاتب. ما يهمه هو أن يجد حيه نظيفاً.
لا يكفي تغيير الاسم إذا لم يتغير الأداء
المشكلة التي تستحق النقاش ليست في اسم الشركة في حد ذاته، وإنما في فلسفة تدبير القطاع. فإذا كانت الشركة التي تولت الخدمة سابقاً قد واجهت انتقادات واسعة بسبب مستوى النظافة، فإن إعادة إسناد الخدمة إلى صيغة مرتبطة بها أو بهيكل مشابه تفرض على المسؤولين تقديم أجوبة واضحة للرأي العام حول المعايير التي اعتمدت في الاختيار وحول تقييم التجربة السابقة.
ليس من المهنية القول بوجود خروقات أو مصالح مشتركة من دون وثائق وأدلة. لكن المهنية نفسها تفرض طرح الأسئلة عندما تكون هناك مخاوف لدى السكان أو غموض حول شروط التدبير. الشفافية هنا ليست ترفاً إعلامياً، بل ضرورة لحماية المال العام وضمان جودة الخدمة.
كأس العالم يضع القنيطرة أمام مرآة حقيقية
المغرب يستعد لاحتضان كأس العالم، وهذه المناسبة لا تعني فقط الملاعب والفنادق والطرق والمطارات. إنها اختبار شامل لقدرة المدن المغربية على تقديم خدمات حضرية في مستوى صورة المغرب الذي يريد أن يستقبل العالم.
وفي هذا السياق، يصبح مشهد النفايات المتراكمة في الأحياء الشعبية أكثر إحراجاً. فالمدينة التي تريد أن تظهر بصورة حديثة لا يمكن أن تكتفي بتنظيف الواجهات والمحاور الرئيسية، بينما تظل أحياء كاملة تعاني من تراكم النفايات والروائح والحشرات. صورة المدينة لا تبدأ عند الملعب، بل تبدأ من الحي الذي يعيش فيه المواطن.
أين تذهب أموال النظافة؟
من حق سكان القنيطرة أيضاً أن يعرفوا كم تنفق مدينتهم على هذا القطاع، وما قيمة عقود النظافة، وما هي الالتزامات التي تفرضها دفاتر التحملات على الشركات، وكم عدد الشاحنات المفترض تشغيلها، وعدد الجولات اليومية، وآليات مراقبة الأداء، والجزاءات التي تطبق عند الإخلال.
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة مرتبطة بالحكامة والشفافية. فعندما يتعلق الأمر بمرفق يمس حياة مئات الآلاف من المواطنين، فإن تفاصيل العقد وأداء المتعهد وآليات المراقبة يجب ألا تكون أسراراً مغلقة داخل المكاتب.
القنيطرة لا تحتاج إلى تجميل الصورة
القنيطرة اليوم بحاجة إلى معالجة حقيقية لأزمة النظافة، لا إلى محاولات تجميل مؤقتة للمشهد. المطلوب هو منظومة واضحة تضمن جمع النفايات في آجال محددة، وصيانة الحاويات والشاحنات، وتنظيف محيطها، ومراقبة الأداء بشكل يومي، وربط المستحقات المالية بمستوى الخدمة الفعلي.
أما استمرار الوضع الحالي، فإن معناه أن المدينة تدفع مقابل خدمة لا يشعر بها المواطن بالشكل المطلوب. القنيطرة مدينة لها مؤهلات كبيرة، ولا يجوز أن تصبح أكوام النفايات عنواناً لأحيائها الشعبية. كما لا يجوز أن تكون هناك مدينة نظيفة أمام الكاميرات ومدينة أخرى ملوثة خلفها.
النظافة ليست امتيازاً
في النهاية، لا يحتاج سكان الساكنية والإرشاد والمسيرة ووريدة إلى وعود جديدة، بقدر ما يحتاجون إلى شوارع نظيفة وحاويات تفرغ في وقتها وخدمة عمومية تحترم كرامتهم.
فالنظافة ليست امتيازاً تمنحه شركة، ولا منّة يقدمها مجلس جماعي، ولا خدمة موسمية تتحسن عندما تقترب مناسبة أو زيارة مسؤول. إنها حق أساسي من حقوق السكان، وأحد أبسط المؤشرات على نجاح أو فشل الحكامة المحلية.
والقنيطرة اليوم أمام اختبار واضح: إما أن تتعامل مع ملف النظافة باعتباره مرفقاً عمومياً يستحق المراقبة والمحاسبة والإصلاح، أو أن تواصل التعايش مع مشهد أصبحت فيه القمامة أكثر حضوراً من المسؤولين عن إزالتها.