القنيطرة… مدينة بين الحفر والأزبال: حين تتحول الطريق إلى اختبار يومي لصبر المواطن
بوشعيب البازي
في القنيطرة، لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن وهو يقود سيارته: «إلى أين أتجه؟»، بل أصبح أكثر واقعية: «أين ستظهر الحفرة المقبلة؟». فبعد سنوات من الحديث عن التنمية وتأهيل المدن وتحسين جودة الحياة، يبدو أن بعض شوارع المدينة اختارت مساراً آخر تماماً: الحفر تتكاثر، والأزبال تتراكم، والروائح الكريهة تنافس حركة المرور على احتلال الفضاء العام.
ولأن القنيطرة مدينة كريمة في توزيع مفاجآتها، فإن الحفرة لا تأتي منفردة. تكاد كل حفرة أن تقود إلى أخرى، وكأن المدينة قررت أن تجعل من شوارعها نسخة محلية من لعبة «المتاهة»، لكن من دون جوائز في النهاية، باستثناء فاتورة إصلاح السيارة.
المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن من يمر في بعض أجزاء وسط المدينة قد يعتقد أن القنيطرة تعيش وضعاً طبيعياً. لكن ما إن يغادر هذا «الديكور الحضري» حتى تبدأ رحلة أخرى: طرق متآكلة، وحفر بأحجام مختلفة، وأرصفة متضررة، ونفايات في عدد من النقاط، وروائح تجعل المواطن يتساءل إن كان يسير في مدينة يفترض أن تكون في طور التأهيل، أم في ورش لم ينتهِ منذ سنوات.
وكأن المدينة تُدار بمنطق: المهم أن تبقى الواجهة مقبولة، أما ما يوجد خلفها فليتدبر أمره. وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: من المسؤول عن حالة الطرق والنظافة وجودة الخدمات المحلية؟
المواطن لا يحتاج إلى خطابات طويلة، ولا إلى صور بروتوكولية، ولا إلى بيانات مليئة بالمصطلحات التقنية. يريد ببساطة شارعاً صالحاً للسير، وحاوية نفايات تُفرغ في موعدها، وأحياء لا تتحول فيها القمامة إلى جزء من المشهد اليومي.
أما المجلس الجماعي، فوظيفته ليست فقط عقد الاجتماعات وتدبير الملفات الإدارية، وإنما يفترض أن تكون نتائج تدبيره قابلة للقياس في الشارع. هل تحسنت الطرق؟ هل تحسنت النظافة؟ هل تمت معالجة النقاط السوداء؟ هل توجد مراقبة حقيقية للشركات المكلفة بالخدمات؟ وهل تُنجز الأشغال وفق معايير تضمن عدم عودة الحفر بعد أول موجة أمطار؟
هذه ليست أسئلة سياسية من باب المزايدة، بل أسئلة مواطن يدفع الضرائب والرسوم وينتظر مقابلها خدمة عمومية محترمة.
في القنيطرة، لا يقتصر الأمر على إزعاج السائق. فالطرق المتدهورة تعني ضغطاً إضافياً على السيارات، وأضراراً في الإطارات والعجلات وأنظمة التعليق، ومصاريف صيانة لم تكن في الحسبان.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة عبثية: يدفع مقابل الوقود، ويدفع التأمين، ويدفع الصيانة، ثم يدفع مرة أخرى بسبب طريق يفترض أصلاً أن تكون صالحة للاستعمال. وبعبارة ساخرة: السيارة في القنيطرة لا تحتاج إلى ميكانيكي فقط، بل تحتاج أحياناً إلى طبيب عظام.
أما ملف النظافة، فله حكاية أخرى. فتراكم النفايات في بعض الأحياء لا يضر بصورة المدينة فقط، بل يرتبط مباشرة بجودة الحياة والصحة والبيئة. أكوام القمامة تجلب الحشرات والقوارض، والروائح الكريهة تجعل بعض الفضاءات العامة طاردة بدل أن تكون أماكن للعيش والتنقل.
والأخطر أن المواطن قد يبدأ، مع مرور الوقت، في التعامل مع هذا المشهد باعتباره أمراً عادياً. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: عندما تصبح الفوضى مألوفة، يصبح الاعتراض عليها هو الاستثناء.
ربما تحتاج القنيطرة إلى إعادة تعريف مفهوم «المعالم المحلية». فبدلاً من أن يبحث الزائر عن الحدائق والساحات والمرافق العمومية، قد يجد نفسه منشغلاً بتوثيق أكبر حفرة صادفها في الطريق.
وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فقد يكون من المفيد التفكير في تنظيم جولة سياحية جديدة تحت عنوان «مسار حفر القنيطرة»، حيث يتعرف الزائر على تاريخ الطريق من خلال عمق الحفرة، وحجمها، وقدرتها على إرباك حركة المرور. والسخرية هنا ليست من المواطن، بل من واقع أصبح يستحق أن يُسأل عنه بجدية.
المطلوب ليس البحث عن كبش فداء، وإنما معرفة من اتخذ القرار، ومن نفذه، ومن راقبه، ومن تقاضى مقابله، ولماذا بقيت النتيجة بهذا المستوى إذا كانت المعطيات على الأرض تعكس فعلاً ما يصفه السكان؟
المشكلة في نهاية المطاف ليست حفرة هنا أو كومة نفايات هناك. المشكلة تصبح أعمق عندما تتحول الاختلالات المتفرقة إلى مشهد حضري متكرر، وعندما يشعر المواطن أن إصلاح الطريق يأتي بعد أن تتسع الحفرة، وأن رفع النفايات يصبح خبراً بدل أن يكون خدمة عادية.
القنيطرة مدينة لها موقعها الاقتصادي والديمغرافي، ولا يمكن اختزالها في شوارع متعبة وأحياء تعاني من ضعف الخدمات. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً أمام المجلس الجماعي والجهات المعنية ليس: من ينتقد؟
بل: متى ستتوقف الحفر عن التكاثر؟ ومتى تصبح النظافة خدمة يومية لا حملة موسمية؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا ثبت أن ما يحدث كان نتيجة تقصير أو سوء تدبير؟
فالمواطن لا يطلب مدينة مثالية. يريد فقط مدينة لا تجبره على قيادة سيارته وكأنه يخوض اختباراً في القيادة على الطرق الوعرة.
والقنيطرة، في النهاية، ليست ملكاً للحفر ولا للأزبال. إنها مدينة لسكانها، ومن حقهم أن يسألوا، ومن واجب المسؤولين أن يجيبوا.