بنكيران وحزب العدالة والتنمية: حين يتحول الخلاف الداخلي إلى موسم دائم للتوبيخ
بوشعيب البازي
يبدو أن عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، اكتشف وصفة سياسية بسيطة للبقاء في واجهة المشهد: كلما خفتت الأضواء، يكفي أن يخرج بتصريح قادر على إشعالها من جديد. وفي حزب يفترض أنه يمارس السياسة، يتحول النقاش الداخلي أحياناً إلى ما يشبه جلسة تأديب جماعية، يكون فيها الأمين العام هو صاحب السؤال والجواب، والمخالِف هو المتهم، والجمهور هو الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي.
آخر فصول هذا المسلسل جاء من إقليم النواصر، حيث اختار بنكيران توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق وأحد أبرز وجوه الحزب، داعياً إياه إلى الابتعاد عن العمل التنظيمي، بل مطالباً إياه، بعبارات مباشرة، بـ«لزوم البيت» و«شد التيقار»، قبل أن ينصحه بالعودة إلى الاشتغال في المجال العلمي الذي كان ينشط فيه قبل دخوله غمار السياسة.
المفارقة هنا ليست في اختلاف بنكيران مع العثماني؛ فالاختلاف حق مشروع داخل أي تنظيم سياسي. المفارقة أن لغة التخاطب نفسها تبدو أحياناً وكأنها تفترض أن عضوية الحزب تمر عبر بوابة واحدة، وأن بطاقة الانتماء لا تمنح صاحبها حق التفكير إلا بعد الحصول على إذن من الأمين العام.
وهكذا يصبح السؤال أكثر إثارة من الخلاف نفسه: هل نحن أمام حزب سياسي تتعدد داخله الآراء، أم أمام مؤسسة سياسية تبحث باستمرار عن نسخة واحدة من صوتها؟
من «أدب الاختلاف» إلى قاموس التأديب
لم يعد العثماني الحالة الوحيدة. فقد سبق لبنكيران أن دخل في سجالات مع عبد العزيز أفتاتي بسبب مواقف وتدوينات، كما انتقد مواقف أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق لحركة التوحيد والإصلاح، في سياقات مختلفة. ثم جاء الدور على مصطفى الرميد، أحد أبرز قيادات الحزب ووزير العدل والحريات سابقاً، الذي لم يتردد في الرد على رواية بنكيران لبعض تفاصيل مرحلة 2011 وما ارتبط بها من أدوار وإنجازات.
المشكلة، إذن، ليست في وجود خلافات داخل حزب العدالة والتنمية. الخلاف طبيعي، بل صحي، داخل الأحزاب التي لا تزال تمتلك حياة سياسية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى مباراة في توزيع شهادات الشرعية: هذا «مناضل»، وذاك «مشوش»، وثالث ينبغي أن «يلزم بيته».
في هذه الحالة، يصبح الحزب أشبه بقاعة انتظار سياسية، لا يُسمح فيها إلا لمن يحمل تذكرة المرور إلى منصة الزعيم.
والأكثر طرافة أن هذا الخطاب يصدر عن سياسي خبر طويلاً معنى المعارضة، واختبر بنفسه كيف يمكن للصوت المختلف أن يتحول من «مزعج» إلى «ضروري» بمجرد أن يتغير موقع صاحبه من السلطة.
بنكيران ضد بنكيران؟
هنا تظهر مفارقة أكبر.
بنكيران الذي بنى جزءاً مهماً من حضوره السياسي على الخطاب المباشر، وعلى انتقاد الآخرين بلا كثير من المجاملات، يبدو أقل حماساً عندما يتعلق الأمر بحق الآخرين في استخدام الأسلوب نفسه معه.
وهذه ليست مشكلة بنكيران وحده؛ إنها إحدى أقدم أزمات السياسة: السياسي الذي يطالب بحرية التعبير عندما يكون خارج دائرة القرار، ثم يبدأ في اكتشاف فضائل «الانضباط» عندما يصبح صاحب سلطة داخلية.
لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. فحرية التعبير لا تكون قيمة عندما تخدمنا فقط، ولا تتحول إلى «تشويش» عندما تزعجنا.
عندما يصبح الماضي ملكية خاصة
ومن أكثر الملفات دلالة على هذه الإشكالية طريقة استحضار مرحلة 2011. فقد تحدث بنكيران في مناسبات مختلفة عن أدواره خلال الحملة الانتخابية وتشكيل الحكومة، في صياغات توحي أحياناً بأن الرجل كان يحمل وحده مفتاح المرحلة.
لكن السياسة، حتى عندما يكون فيها زعيم قوي، ليست عملاً فردياً. الحكومات لا تُبنى بشخص واحد، والأحزاب لا تخوض الانتخابات بصوت واحد، والنتائج السياسية لا تُنتجها صورة الزعيم وحدها.
ومن هنا جاءت ردود فعل عدد من قيادات الحزب، وفي مقدمتهم مصطفى الرميد، لتذكّر بأن التاريخ السياسي ليس ملكاً لمن يرويه بأعلى صوت.
فإذا كان بنكيران يريد الاحتفاظ بدور البطولة في ذاكرة 2011، فإن بقية الممثلين في المسرحية لم يغادروا القاعة بعد، وبعضهم لا يزال يحتفظ بنسخة من النص.
إسرائيل… والسياسة حين تعود من الباب بعد أن خرجت من النافذة
أما أكثر المفارقات السياسية إثارة، فتتعلق بموقف بنكيران من العلاقات المغربية الإسرائيلية.
فبنكيران يرفع في خرجاته الأخيرة نبرة الانتقاد تجاه العلاقة مع إسرائيل، ويقدم مواقف حادة بشأنها، وكأن الحزب يقف اليوم خارج القرار الذي اتُخذ خلال ولايته الحكومية.
لكن الذاكرة السياسية أكثر صرامة من الخطابات الانتخابية. فحزب العدالة والتنمية كان طرفاً في الحكومة التي جرى خلال ولايتها استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، كما أن رئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني كان أحد الموقعين على الإعلان الثلاثي المغربي الأميركي الإسرائيلي.
ليس المطلوب هنا منع بنكيران من تغيير موقفه. السياسي من حقه أن يراجع مواقفه، بل إن مراجعة المواقف قد تكون فضيلة سياسية. لكن الحد الأدنى من الاتساق يقتضي أن يبدأ النقد من سؤال بسيط: أين كنا عندما اتُخذ القرار؟ وما مسؤوليتنا السياسية عنه؟
أما أن يتحول الماضي إلى عبء عندما يخص الآخرين، وإلى تفصيل صغير عندما يخص الحزب، فذلك يجعل الذاكرة السياسية شديدة الانتقائية.
الملكية والخطاب الملتبس
وتزداد حساسية بعض خرجات بنكيران عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة الملكية. فقد لجأ في مناسبات إلى لغة ساخرة أو إيحائية في حديثه عن الملك، في محاولة للجمع بين الفكاهة السياسية والرسائل المشفرة، وهي طريقة قد تبدو ناجحة في جذب الانتباه، لكنها لا تخلو من مخاطر حين تُستخدم في سياق سياسي شديد الحساسية.
الفكاهة السياسية يمكن أن تكون أداة ذكية لكسر الجمود، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى وسيلة لإنتاج الغموض أو الإيحاء أو التخويف. عندها لا يعود السؤال: «ماذا قال؟»، بل يصبح: «ماذا أراد أن يوحي به؟ ولمن؟ ولماذا الآن؟».
وهنا تحديداً تصبح مسؤولية السياسي أكبر من مسؤولية المعلّق أو الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي. فالزعيم الحزبي لا يتحدث في فراغ، وكل عبارة تصدر عنه يمكن أن تتحول إلى رسالة سياسية، حتى عندما يقدمها في قالب ساخر.
من زعيم الحزب إلى مدير «الترند»
بنكيران يمتلك، بلا شك، قدرة نادرة على صناعة الحدث الإعلامي. جملة واحدة منه يمكن أن تملأ المنصات، وتنتج عشرات العناوين، وتفتح نقاشاً سياسياً واسعاً خلال ساعات.
لكن هنا تكمن المفارقة: هل أصبحت وظيفة الأمين العام لحزب سياسي هي صناعة «الترند»، أم صناعة المشروع؟
فالزعامة السياسية لا تُقاس بعدد المرات التي يتصدر فيها السياسي مواقع التواصل الاجتماعي، بل بقدرته على بناء تنظيم قادر على الاستماع، وإدارة الاختلاف، وتكوين القيادات، وتقديم البدائل.
أما تحويل كل خلاف إلى معركة شخصية، وكل انتقاد إلى تشويش، وكل خروج إعلامي إلى مناسبة لإعادة توزيع الولاءات، فقد يمنح الزعيم حضوراً دائماً، لكنه لا يمنح الحزب بالضرورة مستقبلاً.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يواجه العدالة والتنمية اليوم ليس: من سينتصر في آخر جولة من سجالات بنكيران؟
بل: هل يستطيع الحزب أن ينتقل من زمن الزعيم الذي يتحدث باسمه إلى زمن المؤسسة التي تستطيع أن تتحدث بدونه؟
ذلك هو الاختبار الأصعب.
فالأحزاب التي تبقى مرتبطة بشخص واحد قد تنجح في صناعة الزعامة، لكنها تفشل في صناعة الخلافة. وعندما يصبح حضور القائد أكبر من حضور المؤسسة، تتحول الحياة الداخلية تدريجياً إلى غرفة صدى: الجميع يسمع صوتاً واحداً، ثم يكتشف، متأخراً، أنه لم يعد يسمع الحزب نفسه.
وبنكيران، قبل غيره، يعرف أن السياسة لا ترحم من يعتقد أن التاريخ السياسي يمكن أن يتوقف عند صورته.