الزبونية السياسية وتضارب المصالح: حين تتحول السفارة إلى شبكة للامتيازات والمحسوبية
بقلم بوشعيب البازي
ليست وظيفة السفير امتداداً للانتماء الحزبي، ولا امتيازاً سياسياً يُمنح على أساس الولاءات التنظيمية أو المقايضات الانتخابية، بل هي تكليف سيادي تُمليه مقتضيات تمثيل الدولة وصيانة مصالحها الاستراتيجية والدفاع عن صورتها ومكانتها في الخارج. فالسفير، بحكم طبيعة منصبه، لا يحمل ألوان حزب بعينه، ولا يتحدث باسم تيار سياسي، وإنما يمثل المملكة المغربية بمؤسساتها وثوابتها ومقدساتها الوطنية، تحت راية الوطن الخضراء والحمراء، ووفق الشعار الجامع: الله، الوطن، الملك.
إن الدبلوماسية التي تستمد مشروعيتها من الدولة لا يمكن أن تتحول إلى ملحقة خلفية للأحزاب، ولا أن تُختزل في شبكة من العلاقات الزبونية التي تُعيد إنتاج منطق المحاباة والاصطفاف السياسي خارج الحدود. فحين يصبح الانتماء الحزبي معياراً غير معلن في تحديد دوائر التواصل، وحين يُعامل المواطنون وفق قربهم من حزب السفير أو مسافة ابتعادهم عنه، نكون أمام اختلال مؤسساتي يتجاوز حدود سوء التدبير إلى المساس بمبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات والتمثيل الدبلوماسي.
ومن أخطر مظاهر هذا الانحراف أن تتحول بعض البعثات الدبلوماسية إلى فضاءات انتقائية، تُفتح أبوابها أمام المحسوبين على تنظيمات سياسية بعينها، بينما يشعر مواطنون آخرون بالتهميش أو النفور لمجرد اختلاف مرجعياتهم الحزبية أو اختياراتهم الانتخابية. والحال أن السفارة ليست مقراً حزبياً، والقنصلية ليست امتداداً لمكاتب انتخابية، والمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا رعايا تنظيم سياسي، بل مواطنون متساوون في الحقوق، مهما تباينت قناعاتهم الأيديولوجية.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول إرث التعيينات ذات الخلفية الحزبية، وما أفرزته بعض الممارسات من تضارب بين مقتضيات الوظيفة الدبلوماسية وحسابات الاصطفاف التنظيمي. ويُطرح اسم السفير محمد عامر ضمن النماذج التي تستوجب إخضاع الحصيلة الدبلوماسية للمساءلة والتقييم الموضوعي، لا من منطلق الخصومة الشخصية، وإنما بالنظر إلى طول مدة شغله منصبه في بروكسل، وما يقتضيه ذلك من مساءلة بشأن النتائج المحققة، وفعالية التواصل مع مختلف مكونات الجالية المغربية ببلجيكا، ومدى تجسيد السفارة لمبدأ الحياد المؤسساتي.
فاستمرار المسؤول في منصبه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من التقييم، كما أن الأقدمية الدبلوماسية لا تشكل، في حد ذاتها، قرينة على النجاعة. والمطلوب هو الاحتكام إلى مؤشرات قابلة للقياس: جودة الخدمات، ونجاعة التواصل، والانفتاح على الكفاءات الجمعوية والثقافية والإعلامية، والقدرة على احتواء التعددية داخل الجالية، بعيداً عن منطق الاستقطاب والإقصاء.
وفي المقابل، فإن التوجه نحو إسناد المسؤوليات الدبلوماسية إلى كفاءات مهنية متخصصة، راكمت خبرتها داخل المديريات المركزية لوزارة الشؤون الخارجية، يمثل خياراً يستحق التشجيع والتثمين. فداخل هذا القطاع أطر متمرسة، ودبلوماسيون تلقوا تكويناً متخصصاً، واشتغلوا على ملفات دولية معقدة، واكتسبوا خبرة في تدبير العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، والتفاوض مع الحكومات والمؤسسات الدولية. وهي طاقات لا ينبغي أن تظل رهينة الاعتبارات الإدارية أو الحسابات السياسية، بل يتعين تمكينها من تحمل المسؤولية وفق معايير الاستحقاق والكفاءة والجدارة.
ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التي يدافع عنها وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، في اتجاه ترسيخ المهنية داخل الجهاز الدبلوماسي والحد من آثار التوظيف السياسي للمناصب. فالدبلوماسية الحديثة لا تحتمل ازدواجية الولاء، ولا تقبل أن تتقدم الاعتبارات الحزبية على مقتضيات المصلحة العليا للدولة. إنها مؤسسة قائمة على الانضباط، والتخصص، والاستمرارية، والقدرة على استشراف التحولات الدولية.
وتقدم بعض التجارب الدبلوماسية المعاصرة مؤشرات تستحق القراءة. فقد أبان السفير المغربي لدى مملكة الأراضي المنخفضة، محمد البصري، عن نموذج من الحضور الدبلوماسي الذي يمكن تقييمه من خلال المبادرات والنتائج ومستوى التفاعل المؤسساتي. كما أن التجربة التي شهدتها القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة لييج البلجيكية، من خلال تنظيم القرية المغربية متعددة الثقافات والاحتفاء بعيد الوحدة، أظهرت كيف يمكن للعمل القنصلي أن يتجاوز التدبير الإداري الروتيني نحو الدبلوماسية الثقافية والانفتاح المجتمعي. وهي تجربة تستحق التوثيق والتقييم والاستفادة من عناصر نجاحها.
إن الفارق بين الدبلوماسية المهنية والدبلوماسية المسيسة لا يكمن في الخطاب الرسمي أو الصور البروتوكولية، وإنما في القدرة على تحويل التمثيل الدبلوماسي إلى خدمة فعلية للمواطن والوطن. فالسفير الناجح هو الذي يستطيع التواصل مع الجميع، واستيعاب الاختلاف، وتدبير التعدد، وبناء جسور الثقة حتى مع من لا يتقاسمون معه أي مرجعية سياسية.
الزبونية السياسية وتضارب المصالح: حين تتحول السفارة إلى دائرة للامتيازات
ولا يكتمل النقاش حول اختلالات التدبير الدبلوماسي ببروكسل دون التوقف عند ما يُثار بشأن مظاهر المحاباة والزبونية السياسية، وهي ممارسات، إن ثبتت، تطرح أسئلة جدية حول معايير الإنصاف وتكافؤ الفرص داخل التمثيلية المغربية بالخارج. ومن بين الوقائع التي تستحق التحقيق والتوضيح، ما يُتداول بشأن تدخل فؤاد أحيضر، رئيس حزب بلجيكي، لدى السفير المغربي من أجل توجيه دعوة إلى البرلمانية نجيمة العرباوي لحضور حفل الولاء، في فترة لم تكن قد أمضت فيها سوى بضعة أشهر في مسارها البرلماني. وإذا كانت الدعوة تندرج ضمن التمثيل البروتوكولي، فإن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل استند الاختيار إلى معايير مؤسساتية واضحة، أم إلى تدخلات وعلاقات سياسية؟ وهل كانت هناك معايير موضوعية تفسر هذا الامتياز مقارنة مع شخصيات أخرى ذات حضور سياسي ومجتمعي؟ إن الدبلوماسية التي تحترم نفسها لا ينبغي أن تجعل من طلبات السياسيين المحدد الفعلي لمن يستحق الحضور والتمثيل.
وتتجاوز التساؤلات حدود الاستقطاب السياسي لتلامس أيضاً ما يُثار بشأن ظروف بعض التعيينات داخل محيط السفارة. فقد أثيرت ملاحظات حول تعيين كاتبة للسفير، وسط مزاعم تربط هذا الاختيار بعلاقة عائلية مع شخص يعمل بالقناة الأولى المغربية، وباحتمال الاستفادة من هذه الصلة لتسهيل تغطية الأنشطة والاحتفالات التي تنظمها السفارة على شاشة القناة. فالمناصب داخل المؤسسات الدبلوماسية ليست امتيازات عائلية، والتغطية الإعلامية العمومية ليست خدمة شخصية لمسؤول أو بعثة دبلوماسية.
ولعل ما يزيد هذه التساؤلات إلحاحاً هو تكرار الملاحظات بشأن الحضور الإعلامي لبعض الأنشطة البروتوكولية للسفارة المغربية ببروكسل، بما يدفع متابعين ومواطنين إلى التساؤل عن طبيعة المعايير التحريرية التي تحكم اختيار المواد التي تحظى بالتغطية على القناة الأولى، وعن مدى التوازن بين الأنشطة ذات القيمة الدبلوماسية والثقافية الفعلية وبين المناسبات التي يغلب عليها الطابع الشكلي والاحتفالي. فالإعلام العمومي ليس منصة للعلاقات الشخصية، ولا ينبغي أن يتحول إلى امتداد دعائي لأنشطة أي مسؤول، مهما كان موقعه.
إن جوهر الإشكال هنا لا يتعلق بأسماء الأشخاص بقدر ما يتعلق بسلامة المؤسسات. وحين تتداخل العلاقات الحزبية والعائلية والإعلامية مع تدبير الشأن الدبلوماسي، يصبح من المشروع المطالبة بكشف المعايير المعتمدة، وتوضيح المسؤوليات، وإخضاع التعيينات والاختيارات البروتوكولية والإعلامية لمبدأ الشفافية والمساءلة. فالسفارة المغربية ليست ملكاً للسفير، ولا فضاءً لتصفية الحسابات السياسية أو توزيع الامتيازات، وإنما مؤسسة سيادية يفترض أن تكون على مسافة واحدة من جميع المغاربة.
لقد آن الأوان للقطع مع التصور الذي يجعل المناصب الدبلوماسية مكافآت سياسية أو امتدادات للنفوذ الحزبي. فالمغرب الذي يستعد لاستحقاقات دولية كبرى، ويطمح إلى تعزيز حضوره الجيوسياسي والاقتصادي والثقافي، يحتاج إلى دبلوماسيين يحملون مشروع الدولة، لا أجندات التنظيمات؛ ويستمدون شرعيتهم من كفاءتهم، لا من رصيدهم الحزبي.
فالسفير ليس سفيراً لحزب فاز في الانتخابات، ولا لمجموعة سياسية وصلت إلى الحكومة، بل سفير لمملكة بكل أطيافها ومؤسساتها ومواطنيها. أما الراية التي ترفرف فوق السفارات والقنصليات، فلا تحمل لوناً حزبياً، وإنما تحمل الأخضر والأحمر، وتختزل في رمزيتها وحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها.
إن الدبلوماسية المغربية لا تحتاج إلى سفراء بألوان الأحزاب، بل إلى رجال ونساء بألوان الوطن؛ لأن الحزب تتغير قياداته وحكوماته، أما الدولة فباقية، ومصالحها لا تقبل المساومة.