المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ومناهج التعليم الديني: دعوة إلى مراجعة تراعي خصوصية الجالية وسياقها الأوروبي

بوشعيب البازي

بين صيانة التراث العلمي المغربي ومتطلبات الواقع الأوروبي، يطرح البرنامج المقترح للدروس والكراسي العلمية في المساجد أسئلة جوهرية بشأن ملاءمة المناهج الدينية لانتظارات الأجيال المغربية المقيمة بالخارج.

أثار البرنامج الذي نشره المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة تحت عنوان «المناهج العلمية المقترحة للدروس والكراسي العلمية في مساجد أوروبا» نقاشًا بشأن مدى استجابته للتحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها الجالية المغربية بالقارة الأوروبية، وحول طبيعة المرجعية العلمية التي ينبغي أن تؤطر تدريس العلوم الشرعية داخل المساجد.

ولا يتعلق جوهر النقاش بأهمية التراث الفقهي أو بمكانة المتون العلمية في تاريخ التعليم الإسلامي، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة المناهج المقترحة على التوفيق بين أصالة المعرفة الدينية ومتطلبات الحياة المعاصرة، في بيئة تختلف مؤسساتها التعليمية والاجتماعية والقانونية عن السياقات التي نشأت فيها أجزاء واسعة من تلك المناهج.

مناهج تحتاج إلى استحضار الواقع الأوروبي

تعيش الجالية المغربية في أوروبا واقعًا مركبًا، تتداخل فيه قضايا الهوية والانتماء والمواطنة والتنشئة الأسرية مع تحديات المدرسة والفضاء الرقمي والتمييز والتعايش داخل مجتمعات متعددة الثقافات. وفي ظل هذه التحولات، لم تعد وظيفة المسجد مقتصرة على تقديم الدروس الدينية التقليدية، بل بات مطالبًا أيضًا بالمساهمة في بناء وعي ديني متوازن، يساعد الأجيال الجديدة على فهم دينها وممارسة شعائرها في انسجام مع القوانين والقيم المنظمة للحياة العامة.

من هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول مدى استجابة البرنامج المنشور لهذه الحاجات، ومدى تخصيصه مساحة كافية للقضايا التي تشغل المسلمين في أوروبا، ولا سيما الشباب الذين يتعاملون يوميًا مع أسئلة الانتماء والاختلاف والاندماج.

إن إدراج متون مثل «تفسير الجلالين» و«العشماوية» وشروح «مختصر خليل» يمكن أن تكون له مشروعيته العلمية ضمن مسار تعليمي منظم، غير أن اختيار هذه المراجع وترتيبها وتحديد الفئات المستهدفة بها يظل بحاجة إلى تصور تربوي واضح، يراعي مستويات المتعلمين وأعمارهم ولغاتهم واحتياجاتهم الفعلية. فالمشكلة ليست في التراث ذاته، وإنما في طريقة تقديمه ومدى ارتباطه بالواقع الذي يُفترض أن يخدمه.

التراث العلمي المغربي: حضور يستحق مزيدًا من الاهتمام

يثير البرنامج، كذلك، سؤالًا بشأن موقع التراث العلمي المغربي في المناهج الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج. فالمغرب راكم، عبر قرون، مدرسة علمية متعددة الروافد، أسهمت فيها حواضر فاس ومراكش، ومدارس سوس، ومراكز علمية أخرى في مختلف مناطق البلاد، وأنتجت أعلامًا تركوا بصمات بارزة في الفقه والحديث والتفسير واللغة والتاريخ.

وفي مقدمة هذه الأسماء يبرز القاضي عياض، أحد أبرز أعلام العلم بالمغرب، إلى جانب المختار السوسي، الذي أسهم في توثيق الذاكرة العلمية والاجتماعية لسوس، والعالمين عبد الله بن الصديق ومحمد بن الصديق، وغيرهم من العلماء الذين يعكس إنتاجهم تنوع التجربة المغربية وامتدادها المعرفي.

ومن هنا، فإن الحضور المحدود أو غير الواضح لهذه المرجعيات في البرنامج المنشور يفتح باب التساؤل حول مدى تمثيله للخصوصية العلمية المغربية، ومدى إسهامه في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخها الديني والفكري.

فبالنسبة إلى أبناء الجالية، لا يمثل التعرف على علماء المغرب مجرد استعادة لأسماء من الماضي، بل يشكل مدخلًا لفهم تطور المرجعية الدينية الوطنية، وما راكمته من تقاليد علمية ومؤسساتية ارتبطت بتاريخ المملكة وثوابتها الدينية، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.

ولا يعني ذلك وضع التراث المغربي في مواجهة التراث المشرقي، أو المفاضلة بين العلماء على أساس جغرافي، وإنما تحقيق قدر من التوازن في الاختيارات العلمية، بما يجعل أبناء الجالية على معرفة أوسع بمختلف روافد الحضارة الإسلامية، مع منح المدرسة المغربية المكانة التي تستحقها.

تعليم ديني بلغة الأجيال الجديدة

تتجاوز الإشكالية اختيار الكتب والمتون إلى طبيعة الخطاب الديني الموجه إلى الأجيال المغربية التي نشأت أو تلقت تعليمها في أوروبا. فهذه الفئات تحتاج إلى معرفة شرعية رصينة، لكنها تحتاج أيضًا إلى خطاب قادر على التواصل بلغاتها، واستيعاب أسئلتها، ومناقشة قضاياها من دون اختزالها في أجوبة جاهزة أو مقاربات منفصلة عن محيطها الاجتماعي.

ويقتضي ذلك تطوير برامج تجمع بين التأصيل الشرعي والتكوين التربوي، وتفتح المجال أمام تناول قضايا الأسرة والتربية والمواطنة وأخلاقيات الفضاء الرقمي والتعايش الديني، فضلًا عن تعزيز التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المعرفة الدينية الموثوقة والخطابات المتشددة أو السطحية المنتشرة عبر الإنترنت.

كما أن الحفاظ على الهوية المغربية لا يتحقق بمجرد استحضار المتون التراثية، بل يتطلب تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ المغرب ومؤسساته وعلمائه، وربطها بمرجعيتها الوطنية، في إطار يحترم خصوصية المجتمعات الأوروبية ومتطلبات العيش المشترك فيها.

ومن شأن هذا التوجه أن يعزز التوازن بين الانتماء إلى البلد الأصلي والمشاركة الفاعلة في المجتمع الذي يعيش فيه أبناء الجالية، بعيدًا عن ثنائية زائفة تضع الحفاظ على الهوية في مواجهة الاندماج.

نحو مراجعة تشاركية للمناهج

إن مراجعة البرنامج المقترح لا تستدعي إقصاء المتون المعتمدة أو التقليل من قيمة التراث الفقهي، وإنما تقتضي إعادة النظر في موقعها داخل تصور تعليمي أشمل، يحدد أهداف كل مرحلة، ويراعي اختلاف مستويات المتلقين، ويربط المعرفة النظرية بتحديات الواقع.

ويفترض هذا المسار إشراك علماء مغاربة متخصصين في مختلف فروع المعرفة الشرعية، إلى جانب خبراء في التربية وعلم الاجتماع والقانون، وأئمة وفاعلين جمعويين يعملون داخل المجتمعات الأوروبية، فضلًا عن الاستماع إلى الشباب والأسر المغربية المعنية بهذه البرامج.

فالمناهج الموجهة إلى المساجد الأوروبية لا يمكن أن تكون فعالة ما لم تنطلق من فهم دقيق للبيئة التي ستُطبق فيها، ومن معرفة عملية بالأسئلة التي يطرحها المصلون واحتياجاتهم. كما أن نجاحها يقتضي تقييمًا دوريًا لنتائجها، بدل الاكتفاء باختيار قائمة من الكتب، مهما كانت قيمتها العلمية.

ويظل المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة معنيًا، بحكم طبيعة دوره، بفتح نقاش مؤسساتي حول هذه المسألة، بما يتيح تطوير رؤية تعليمية تجمع بين المرجعية المغربية والانفتاح على المحيط الأوروبي، وتستجيب للتحولات التي تعرفها الجالية عبر أجيالها المتعاقبة.

بين الوفاء للتراث وضرورات التجديد

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التراث والواقع، بل في بناء علاقة متوازنة بينهما. فالتراث الذي لا يُقدَّم في سياق مفهوم قد يفقد قدرته على التأثير في الأجيال الجديدة، كما أن الخطاب الديني الذي ينفصل عن جذوره العلمية قد يصبح عرضة للتبسيط والاقتطاع وسوء التأويل.

ومن ثم، فإن النقاش الذي أثاره البرنامج المنشور ينبغي أن يتحول إلى فرصة لمراجعة المناهج وتوسيع دائرة التشاور بشأنها، بما يضمن حضورًا أعمق للمدرسة العلمية المغربية، واستجابة أكثر دقة لخصوصيات الحياة في أوروبا.

فالمساجد المغربية في القارة الأوروبية تحتاج إلى برامج تحفظ أصالة المعرفة الدينية، وتمنحها في الوقت نفسه القدرة على مخاطبة الإنسان المعاصر. وتلك مسؤولية لا تتحقق بتكرار النماذج القديمة أو القطيعة معها، بل بإعادة قراءتها وتوظيفها في مشروع علمي وتربوي يستوعب تحولات المجتمع، ويحافظ على الهوية، ويفتح أمام الأجيال الجديدة آفاق الفهم والمشاركة والاندماج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com