من باريس إلى بروكسل: هل تتحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى ساحة لنفوذ الإسلام السياسي؟
حنان الفاتحي
لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها بعض المدن الأوروبية مجرد تعبير عن الغضب من تراجع القدرة الشرائية أو اختلالات التعليم والسياسات الاجتماعية. فحين تتقاطع المطالب المعيشية مع تحركات منظمات ذات مرجعيات أيديولوجية مختلفة، يصبح السؤال المطروح أمام السلطات والرأي العام أكثر تعقيداً: أين تنتهي المطالبة بالحقوق، وأين يبدأ توظيفها لخدمة مشاريع سياسية أوسع؟
أعادت الاضطرابات التي شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر الجاري هذا النقاش إلى الواجهة، بعد أعمال تخريب طالت مبنى بلدية ليموج التاريخي، بالتزامن مع اضطرابات في باريس ومرسيليا وليون. وأثارت الأحداث تساؤلات بشأن جاهزية الأجهزة الأمنية وقدرتها على استباق العنف، في وقت تتداخل فيه الاحتجاجات المرتبطة بأوضاع التعليم وارتفاع تكاليف المعيشة مع أشكال مختلفة من التعبئة السياسية.
لكن الانتقال من تشخيص إخفاقات الأمن إلى اتهام تنظيم بعينه بتوجيه الاحتجاجات يظل خطوة تحتاج إلى أدلة محددة. فوجود منظمات ذات خلفيات إسلامية في محيط التحركات لا يثبت، في حد ذاته، أنها خططت لأعمال الشغب أو ساهمت في تنفيذها.
تقرير رسمي يعيد ملف الإخوان إلى الواجهة
يشكل التقرير المنسوب إلى وزارة الداخلية الفرنسية، الصادر في مايو 2025 تحت عنوان «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا»، خلفية أساسية للنقاش الدائر حول طبيعة حضور التيارات الإسلامية السياسية داخل المجتمع الفرنسي.
ويتركز هذا الجدل على قدرة بعض الشبكات الأيديولوجية على بناء امتدادات داخل الجمعيات والمؤسسات التعليمية والفضاءات الطلابية، وعلى استخدام قضايا الهوية والتمييز والحقوق في توسيع حضورها المجتمعي. غير أن تقييم هذا النفوذ يقتضي التمييز بين النشاط الجمعوي المشروع، والتقارب الفكري، والارتباط التنظيمي الفعلي، وهي مستويات لا يجوز التعامل معها باعتبارها شيئاً واحداً.
في هذا السياق، يبرز اسم منظمة «الطلاب المسلمون في فرنسا» (EMF)، التي تُنسب إليها دعوات للمشاركة في تحركات طلابية عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما ربطت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته صحيفة «واشنطن إكزامينر»، المنظمة بشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بينما تنفي المنظمة انتماءها الرسمي إلى الجماعة.
وتستدعي هذه المعطيات فحصاً مستقلاً لطبيعة العلاقات المحتملة، ومصادر التمويل، وآليات اتخاذ القرار، بدلاً من الاكتفاء بالتشابه في الخطاب أو المواقف. فإثبات وجود تأثير أيديولوجي يختلف عن إثبات التبعية التنظيمية، وكلاهما لا يكفي وحده لإسناد مسؤولية جنائية إلى جهة معينة.
بروكسل والامتداد الأوروبي للشبكات الطلابية
يتجاوز النقاش الحدود الفرنسية مع بروز دور منتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية (FEMYSO)، ومقره بروكسل، والذي يعرّف نفسه بوصفه شبكة تجمع منظمات شبابية إسلامية في عدد من الدول الأوروبية.
وبحسب المادة المتداولة بشأن تحركات أكتوبر، أصدر المنتدى في التاسع من الشهر بياناً تناول أوضاع الطلاب في فرنسا وبلجيكا، داعياً إلى تحسين الظروف التعليمية وزيادة الاستثمار العام، ومشدداً على حماية الحق في التجمع السلمي. كما انتقد ما وصفه بالاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة، وطالب بإجراء تحقيقات مستقلة.
ويكشف هذا النوع من المواقف عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الشبكات الأوروبية في نقل القضايا المحلية إلى فضاء سياسي أوسع، من خلال البيانات المشتركة والتنسيق بين المنظمات وتوحيد الخطاب بشأن ملفات الحقوق والاندماج والتمييز.
غير أن الطابع العابر للحدود لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود قيادة مركزية توجه الاحتجاجات أو على أن المنتدى يعمل بتكليف من جماعة الإخوان المسلمين. وإثبات مثل هذه الفرضيات يتطلب معلومات موثقة عن العلاقات المؤسسية والتمويل والتنسيق الفعلي، لا مجرد تقاطع المواقف أو تشابه المطالب.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن أوروبا تضم شبكات طلابية وجمعوية متعددة المرجعيات، تمارس أنشطتها في إطار الحريات التي تكفلها القوانين الوطنية والأوروبية. ولا يصبح النشاط محل مساءلة قانونية لمجرد أنه يتبنى موقفاً سياسياً أو يدافع عن مطالب فئة اجتماعية بعينها.
الغضب الاجتماعي مادة للتعبئة السياسية
توفر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بيئة ملائمة لتوسع الخطابات السياسية المتنافسة. فارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبات الاندماج، والتفاوت في فرص التعليم والعمل، كلها عوامل قد تغذي الشعور بالتهميش، خصوصاً لدى فئات من الشباب الذين يرون أن المؤسسات العامة لا تستجيب بما يكفي لمطالبهم.
وفي مثل هذه الظروف، تستطيع منظمات سياسية وأيديولوجية مختلفة تقديم نفسها باعتبارها وسيطاً بين الفئات الغاضبة وصناع القرار. وقد تنجح في توجيه النقاش نحو قضايا تتجاوز المطالب الأصلية للاحتجاج، سواء تعلق الأمر بالهوية الدينية أو السياسات الأمنية أو العلاقة بين الدولة والأقليات.
لكن هذه الآلية ليست حكراً على الإسلام السياسي، كما أن تبني خطاب مناهض للتمييز لا يعني تلقائياً وجود محاولة لاستغلال المحتجين. فالمعيار الحاسم هو ما إذا كانت هناك أدلة على توجيه منظم للتحركات، أو تضليل متعمد للمشاركين، أو تحريض على العنف، أو استخدام غير مشروع للموارد.
ومن هنا، فإن اختزال اضطرابات فرنسا في نشاط الإخوان المسلمين قد يحجب عوامل أخرى، من بينها الاحتقان الاجتماعي، وأداء المؤسسات الأمنية، ومواقف الحركات الطلابية والنقابات والتيارات السياسية المختلفة. كما أن تجاهل احتمال استغلال الاحتجاجات لأهداف أيديولوجية لن يساعد على فهم الصورة كاملة.
الأمن الفرنسي أمام اختبار الأدلة
أعادت أعمال العنف في ليموج طرح أسئلة بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على توقع التصعيد وحماية المنشآت العامة. وتشير المادة الأصلية إلى توقيف مشتبه به على خلفية الحريق، مع الحديث عن صلات محتملة بتيار يساري متطرف. غير أن تحديد المسؤولية عن هذا الحادث يظل مرتبطاً بنتائج التحقيق، ولا يجوز تعميم أي اتهام على بقية المشاركين في الاحتجاجات.
كما تتحدث المادة عن فتح تحقيق رسمي والاستعانة بنحو مئتي محقق لتحديد المسؤولين عن أعمال الشغب. وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإنها تعكس حجم الجهد الذي تتطلبه محاولة إعادة بناء تسلسل الأحداث وتحديد الأدوار الفردية والتنظيمية.
ولا يقتصر التحدي أمام السلطات الفرنسية على توقيف المتورطين في التخريب، بل يشمل أيضاً تحديد ما إذا كانت هناك شبكات ساهمت في التحريض أو التنسيق، وما إذا كانت أي جهة قد استغلت الاحتجاجات لتحقيق أهداف تتجاوز المطالب المعلنة.
ويقتضي ذلك التعامل مع كل فرضية وفق أدلتها الخاصة، من دون الخلط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية، أو اعتبار الانتماء الفكري قرينة كافية على المشاركة في العنف.
الشفافية من دون التضييق على الحريات
يفتح الجدل بشأن المنظمات الإسلامية في أوروبا ملفاً أوسع يتعلق بحدود الرقابة على الجمعيات، وشفافية مصادر تمويلها، وعلاقاتها بشبكات خارجية. وهي مسائل يمكن إخضاعها لقواعد واضحة، شريطة تطبيقها على جميع المنظمات وفق المعايير القانونية نفسها، بعيداً عن الانتقائية أو الاشتباه المبني على الهوية الدينية.
فإذا توافرت أدلة على تمويل غير مشروع، أو تدخل خارجي غير معلن، أو تحريض على العنف، فإن التحقيق والمساءلة يصبحان ضرورة قانونية. أما تحويل مجرد الانتماء الديني أو المشاركة في احتجاج سلمي إلى سبب للريبة، فقد يوسع فجوة الثقة بين المؤسسات والمجتمعات التي يفترض أن تحمي حقوقها.
وتحتاج فرنسا، شأنها شأن بقية الدول الأوروبية، إلى مقاربة تجمع بين فعالية الأجهزة الأمنية ومعالجة الأسباب الاجتماعية للاحتقان. فحماية المباني العامة ومحاسبة المسؤولين عن التخريب لا تتعارضان مع ضمان حق المواطنين في الاحتجاج، كما أن مكافحة التطرف لا تعفي الدولة من مراجعة السياسات التي قد تسهم في تعميق التهميش.
من الاتهامات العامة إلى المساءلة الموثقة
يبقى السؤال بشأن طبيعة العلاقة بين بعض المنظمات الطلابية الأوروبية وشبكات الإسلام السياسي مشروعاً للنقاش العام، لكنه لا يُحسم بالشعارات أو الافتراضات. فإثبات النفوذ التنظيمي يحتاج إلى وثائق، وإثبات التنسيق يحتاج إلى وقائع، وإسناد المسؤولية عن أعمال العنف يتطلب أدلة تتعلق بأشخاص وأفعال محددة.
وحتى تتضح نتائج التحقيقات المرتبطة بأحداث أكتوبر 2026، ينبغي التعامل بحذر مع الروايات التي تربط الاحتجاجات مباشرة بجماعة الإخوان المسلمين، خصوصاً عندما لا تميز بين الدعوة إلى التظاهر، والتأثير السياسي، والمشاركة الفعلية في أعمال التخريب.
إن الاختبار الحقيقي أمام المؤسسات الأوروبية لا يتمثل في الاختيار بين الأمن والحريات، بل في القدرة على حماية الاثنين معاً. فلا يمكن مواجهة العنف بالتعميم، ولا يمكن حماية الديمقراطية بتجاهل أي نشاط غير مشروع تثبته الأدلة.
وبين باريس وبروكسل، تظل المسألة الأساسية هي معرفة من ينظم الاحتجاجات، وما الأهداف التي يسعى إليها، وكيف تُموَّل الشبكات المشاركة فيها، وما إذا كانت الوقائع تثبت وجود تنسيق يتجاوز التضامن السياسي المعلن. وحدها التحقيقات المستقلة والشفافية والمساءلة القانونية قادرة على تحويل هذه الأسئلة من مادة للاتهام المتبادل إلى معرفة يمكن الاستناد إليها في صياغة سياسات عامة متوازنة.