مغاربة العالم.. جالية بلا وزارة، ومؤسسات معلّقة بين الانتظار وغياب التمثيلية
بوشعيب البازي
من وزارة منتدبة إلى فراغ مؤسساتي، ومن وعود إعادة الهيكلة إلى انتظار لا ينتهي.. هل تحوّل مغاربة العالم إلى ملف موسمي تستحضره الدولة عند الحاجة، وتؤجله عندما يتعلق الأمر بالتمثيل والحقوق؟
لم تعد الإشكالية التي تواجه مغاربة العالم مرتبطة فقط بصعوبات إدارية أو بتعقيدات المساطر القنصلية، بل أصبحت تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بموقع هذه الفئة داخل التصور المؤسساتي للدولة المغربية، وبمدى حضورها الفعلي في السياسات العمومية. فملايين المغاربة المقيمين بالخارج، الذين تربطهم بالبلاد علاقات عائلية واقتصادية وثقافية، يجدون أنفسهم أمام مشهد مؤسساتي لا يتناسب مع حجمهم ولا مع انتظاراتهم المتراكمة.
المفارقة أن مغاربة العالم كانوا يتوفرون، في مراحل حكومية سابقة، على قطاع وزاري مخصص لقضاياهم، قبل أن تختفي وزارة الجالية من التشكيلة الحكومية، وتُوزّع اختصاصاتها بين قطاعات أخرى. وقد يكون هذا الاختيار مرتبطاً بتصور حكومي لإعادة تنظيم الاختصاصات، غير أن السؤال الذي ظل قائماً هو: أين أصبحت الجهة الحكومية التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن مصالح هذه الجالية وتنسيق السياسات الموجهة إليها؟
فغياب وزارة متخصصة لا يعني بالضرورة غياب العمل المؤسساتي، لكنه يفرض وجود آلية حكومية واضحة، بصلاحيات محددة ومسؤولية سياسية قابلة للمساءلة. أما توزيع الملفات بين قطاعات متعددة، من دون وضوح كافٍ في الاختصاصات، فيجعل المواطن المقيم بالخارج أمام إدارة متشعبة، يصعب معها تحديد الجهة المسؤولة عن معالجة مطالبه.
مؤسسات تمثيلية أم فضاءات للتعيين؟
لا تتوقف الإشكالية عند المستوى الحكومي، بل تمتد إلى المؤسسات التي يفترض أن تشكل حلقة الوصل بين مغاربة العالم والدولة. فالمجلس الذي يحمل صفة تمثيلية، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ظلا موضوع تساؤلات متكررة بشأن طبيعة أدوارهما، ومدى قدرتهما على الاستجابة للتحولات التي تعرفها الجالية المغربية في أوروبا وبقية دول العالم.
ومن بين الأسئلة التي تستحق نقاشاً مؤسساتياً صريحاً، طبيعة المعايير المعتمدة في اختيار الشخصيات التي تتولى المسؤولية داخل هذه الهيئات. إذ إن التمثيل الحقيقي لا يُقاس بالألقاب أو بالمواقع الإدارية، وإنما بمدى الارتباط الفعلي بقضايا الجالية، والإلمام بمشاكلها اليومية، والقدرة على نقل مطالبها والدفاع عنها أمام المؤسسات الرسمية.
كما أن استمرار بعض المسؤولين في مواقعهم، رغم التساؤلات المطروحة حول صلتهم العملية بمغاربة العالم، يفتح النقاش حول مبدأ تجديد النخب، وتقييم الحصيلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمؤسسات التي أُنشئت لخدمة فئة معينة لا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات مغلقة، أو أن يصبح استمرار شاغلي مناصبها منفصلاً عن تقييم أدائهم ونتائج عملهم.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في الأشخاص أو التقليل من كفاءاتهم، بل بطرح سؤال جوهري: هل تعكس تركيبة هذه المؤسسات تنوع الجالية المغربية وتعدد أجيالها وكفاءاتها وتياراتها الجمعوية والمهنية؟ وهل يمتلك مغاربة العالم آليات حقيقية للتأثير في اختيار من يتحدث باسمهم؟
المؤسسة المحمدية ومجلس الجالية.. انتظار مفتوح
من الملفات التي لا تزال تثير التساؤل أيضاً مستقبل المؤسسة المحمدية ومجلس الجالية، في ظل استمرار انتظار الإعلان عن الصيغ الجديدة والتركيبات المنتظرة لهذه المؤسسات. فالجالية لا تحتاج إلى مجرد إعادة ترتيب الهياكل أو تغيير الأسماء، بل إلى مراجعة عميقة لطبيعة الوظائف والاختصاصات، وإلى ضمانات تجعل التمثيلية أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للمغاربة المقيمين بالخارج.
إن إعادة تشكيل مجلس الجالية، على وجه الخصوص، ينبغي ألا تظل مسألة إدارية تُحسم داخل دوائر التعيين وحدها، بل فرصة لإعادة التفكير في فلسفة التمثيل ذاتها. فالجالية ليست كتلة متجانسة؛ إنها تضم أجيالاً وشرائح اجتماعية ومهنية مختلفة، من العمال والموظفين إلى رجال الأعمال والباحثين والجامعيين والفاعلين الجمعويين والشباب المولودين في بلدان الإقامة.
وأي تركيبة لا تستحضر هذا التنوع ستظل معرضة للسؤال عن مدى قدرتها على التعبير عن مجتمع مغربي يعيش خارج الحدود، لكنه يواجه تحديات متغيرة باستمرار.
منذ 2011.. وحق المشاركة السياسية ينتظر
ولعل أكثر الملفات تعبيراً عن طول الانتظار هو ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم. فمنذ دستور 2011، الذي كرس في فصوله مبدأ تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات، ظل تنزيل هذا المبدأ موضع نقاش وتأجيل.
لقد مرت سنوات طويلة على إقرار المقتضيات الدستورية، ومع ذلك لم يتحول الحق في المشاركة السياسية من الخارج إلى ممارسة انتخابية كاملة تتيح للمغاربة المقيمين بالخارج اختيار ممثليهم مباشرة في المؤسسات التشريعية، وفق الآليات القانونية والتنظيمية اللازمة.
وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: كيف يمكن الحديث عن إشراك الجالية في تدبير الشأن العام، بينما لا تزال إحدى أهم أدوات المشاركة الديمقراطية، وهي التمثيل الانتخابي، تنتظر التنزيل الكامل؟
إن مغاربة العالم لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بتفعيل حقوق المواطنة التي يضمنها الدستور، وبالانتقال من الخطاب الذي يشيد بمساهماتهم إلى سياسات تتيح لهم المشاركة الفعلية في صناعة القرار.
جالية تُستحضر عند الحاجة وتُغيّب عند توزيع المسؤوليات
تتجلى المفارقة أيضاً في الخطاب الرسمي الذي يستحضر مغاربة العالم باعتبارهم رافعة اقتصادية ومصدراً مهماً للتحويلات والاستثمار، فضلاً عن دورهم في تعزيز صورة المغرب داخل بلدان الإقامة. غير أن هذا الحضور الاقتصادي والاجتماعي لا يقابله دائماً حضور مؤسساتي وسياسي يتناسب مع حجم مساهمتهم وانتظاراتهم.
فالجالية لا تختزل في تحويلاتها المالية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مورداً اقتصادياً عند الحاجة، ثم ترك قضاياها الاجتماعية والإدارية والحقوقية معلقة بين المؤسسات. إنها جزء من المجتمع المغربي، ولها الحق في أن تكون شريكاً في السياسات التي تهم حاضر البلاد ومستقبلها.
وإذا كانت الدولة قد جعلت من مغاربة العالم أولوية في عدد من الخطابات والمناسبات الوطنية، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأولوية إلى مؤسسات فعالة، ومواعيد واضحة، وآليات للمحاسبة، وقرارات قابلة للتنفيذ.
السؤال الذي ينتظر جواباً
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المغرب يحتاج إلى مؤسسات تعنى بمغاربة العالم، بل ما إذا كانت المؤسسات القائمة والمنتظرة قادرة فعلاً على أداء المهمة التي أُنشئت من أجلها.
متى ستُعلن الصيغة الجديدة لمجلس الجالية؟ وما مصير المؤسسة المحمدية؟ ومن سيتولى التنسيق الحكومي الفعلي لقضايا المغاربة المقيمين بالخارج؟ ومتى يصبح حق المشاركة السياسية، الذي أقره دستور 2011، واقعاً انتخابياً ملموساً؟
هذه ليست أسئلة عابرة، ولا مطالب فئة تبحث عن موقع داخل الإدارة، بل أسئلة تتعلق بمصداقية المؤسسات وبمدى احترام مبدأ المواطنة المتساوية.
فليس من المقبول أن يتحول الانتظار إلى سياسة غير معلنة، وأن تصبح الوعود بإعادة الهيكلة بديلاً عن القرارات. ومغاربة العالم، الذين راكموا تجارب وخبرات وكفاءات في بلدان الإقامة، لا يحتاجون إلى مؤسسات تتحدث باسمهم من دون أن تمنحهم حق المشاركة في تشكيلها ومساءلتها.
إن الرهان الحقيقي لم يعد في إنشاء مؤسسة جديدة أو تغيير تركيبة مجلس قائم، وإنما في بناء علاقة مؤسساتية واضحة بين الدولة ومواطنيها في الخارج؛ علاقة تقوم على التمثيل والمساءلة والحقوق، لا على التعيين والانتظار.
فإلى متى سيظل مغاربة العالم ينتظرون أن تتحول مكانتهم في الخطاب الرسمي إلى مكانة حقيقية داخل مؤسسات الدولة؟