مغاربة العالم ليسوا تفويضاً مفتوحاً لأصحاب الجمعيات.. حين تتحول موائد العشاء إلى منصات لصناعة التمثيلية الوهمية

مجدي فاطمة الزهراء

بروكسل – في الوقت الذي تتزايد فيه المطالب داخل أوساط مغاربة العالم بتمثيلية حقيقية، ومؤسسات قادرة على نقل انشغالاتهم والدفاع عن مصالحهم، تظهر بين الفينة والأخرى مبادرات جمعوية واحتفالات بروتوكولية تحاول تقديم بعض الأشخاص باعتبارهم واجهات للجالية المغربية بالخارج، من دون أن يكون واضحاً من منحهم هذه الصفة، أو بأي آلية اكتسبوا حق الحديث باسم ملايين المغاربة المقيمين خارج الوطن.

آخر هذه المشاهد احتضنته العاصمة البلجيكية بروكسل، بمنطقة أندرلخت، خلال حفل نظم بمناسبة الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء والاحتفال الأول بعيد الوحدة. وشهدت تقديم السيد بنجلون باعتباره على رأس «فيدرالية الكفاءات المغربية بالخارج».

ولم يكن الإشكال في تنظيم حفل أو الاحتفاء بشخصيات مغربية، فذلك يدخل في صميم العمل الجمعوي المشروع، وإنما في الرسائل التي يراد تمريرها من خلال هذه المناسبات، خصوصاً عندما يجري تقديم مسؤولين جمعويين بصيغ توحي بامتلاكهم تفويضاً تمثيلياً يتجاوز حدود جمعياتهم وإطاراتهم التنظيمية.

من اختار هؤلاء ليتحدثوا باسم مغاربة العالم؟

السؤال الذي يفرض نفسه ليس متعلقاً بالألقاب التي توزع خلال الحفلات، بل بمصدر الشرعية التي تستند إليها بعض الشخصيات عندما تقدم نفسها باعتبارها ممثلة للكفاءات المغربية بالخارج أو ناطقة باسم مغاربة العالم.

فالجالية المغربية في بلجيكا وأوروبا ليست تنظيماً واحداً، ولا كتلة انتخابية خاضعة لقيادة جمعية بعينها. إنها فضاء واسع يضم آلاف الكفاءات والأطر والمهنيين والباحثين والجامعيين والمقاولين والصحافيين والفاعلين المدنيين، تختلف مواقفهم وأولوياتهم، ولا يمكن اختزالهم في هيئة تنظيمية أو مجموعة من الأشخاص الذين اختاروا لأنفسهم مواقع قيادية.

ومن هنا، فإن استعمال عناوين من قبيل «فيدرالية الكفاءات المغربية بالخارج» لا يمنح تلقائياً أصحابها صفة التمثيل العام. فالفيدرالية، مهما كان اسمها أو عدد أعضائها، تظل إطاراً تنظيمياً له منخرطوه واختصاصاته، ولا تصبح مؤسسة تمثيلية لمغاربة العالم بمجرد اعتماد تسمية واسعة أو تنظيم حفل يحضره عدد من الشخصيات.

والأكثر إلحاحاً هو معرفة طبيعة هذه الهيئة، وقاعدتها العضوية، وطريقة اختيار قيادتها، ومدى ارتباط أنشطتها الفعلية بالقضايا اليومية للجالية المغربية.

والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض هذه التكريمات يجري تقديمها في صورة احتفاء بالكفاءات، بينما تظل أسئلة الماضي والحصيلة والإنجازات الفعلية معلقة. فليس كل من اعتلى منصة التكريم يمثل الجالية، وليس كل من حصل على شهادة تقدير أصبح بالضرورة طاقة من طاقاتها. أما ما يُتداول عن بعض الكواليس واللقاءات المغلقة، وما يُشار إليه تهكماً بـ«فيلات ليالي الحلمية»، فيفتح الباب أمام تساؤلات إضافية بشأن المعايير الحقيقية التي تحكم اختيار المكرّمين وصناعة الوجاهة داخل بعض هذه الدوائر.

فمغاربة العالم لا يحتاجون إلى صناعة رموز بالبطاقات التذكارية والدروع، بل إلى مؤسسات تحترم عقولهم، وتُقيّم الكفاءات بمعايير واضحة، وتفصل بين الاستحقاق الحقيقي والعلاقات الشخصية.

عشاء بروتوكولي أم لحظة لتكريس الزعامة؟

اللافت في الحفل أن البرنامج لم يقتصر على الاحتفاء بالمناسبتين الوطنيتين، بل تخللته كلمات وشهادات تكريمية وتقديم شخصيات، في مشهد بدا وكأنه يتجاوز البعد الاحتفالي إلى صناعة صورة قيادية لبعض الأسماء.

كل ذلك قد يكون جزءاً طبيعياً من نشاط جمعوي يروم الاحتفاء بالشخصيات وتعزيز العلاقات المغربية البلجيكية. لكن السؤال يبقى قائماً: هل كان الأمر مجرد مناسبة للتواصل والتكريم، أم جرى توظيف الحضور السياسي والاجتماعي لإضفاء صورة من الاعتراف والتمثيلية على قيادة جمعوية معينة؟

حضور السياسيين لا يصنع تفويضاً شعبياً

من الأخطاء التي تتكرر في بعض الأنشطة الجمعوية الخلط بين الحضور البروتوكولي والاعتراف التمثيلي. فوجود منتخبين وسياسيين ومسؤولين سابقين ورجال أعمال في حفل لا يعني بالضرورة أنهم صادقوا على شرعية تمثيلية الجهة المنظمة، كما أن تكريم شخصية سياسية أو قضائية لا يمنح الجمعية وزناً مؤسساتياً لم تحصل عليه عبر آليات تنظيمية واضحة.

فالسياسي الذي يحضر عشاءً جمعوياً يمارس حقه في المشاركة والتواصل، لكنه لا يمنح بذلك تفويضاً باسم الجالية. والشخصية التي تتلقى تكريماً لا تصبح تلقائياً مرجعاً لآلاف المغاربة المقيمين في الخارج.

أما تحويل مثل هذه المناسبات إلى صور وشهادات توحي بوجود إجماع أو تزكية واسعة، فيطرح إشكالية أخلاقية وسياسية تتعلق بحدود استثمار العلاقات العامة في صناعة المكانة الجمعوية.

مغاربة العالم لا يحتاجون إلى ألقاب إضافية

المفارقة أن هذا النوع من المبادرات يأتي في وقت تعاني فيه قضايا الجالية من اختلالات حقيقية، تبدأ من صعوبات الخدمات القنصلية، ولا تنتهي عند ضعف التواصل المؤسساتي، وغياب قنوات فعالة لإشراك الكفاءات المغربية في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بالهجرة.

كان الأجدر أن تتحول مثل هذه اللقاءات إلى فضاءات لمناقشة هذه الملفات، والاستماع إلى انشغالات المغاربة، وطرح مبادرات قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بالكلمات البروتوكولية والتكريمات وتبادل عبارات الإشادة.

فمغاربة العالم لا تنقصهم الجمعيات التي تتنافس على الألقاب، بقدر ما يحتاجون إلى تنظيمات تشتغل على الأرض، وتقدم حصيلة واضحة، وتخضع للمساءلة أمام أعضائها، وتبتعد عن توظيف اسم الجالية في معارك صناعة النفوذ والمكانة.

إن الدفاع عن الكفاءات المغربية بالخارج لا يتحقق بمجرد إطلاق تسمية «الفيدرالية»، كما أن تمثيل الجالية لا يُكتسب عبر عشاء فاخر أو صورة جماعية تضم منتخبين وشخصيات عامة. التمثيلية مسؤولية تسبقها الثقة، وتثبتها الممارسة، وتحددها قواعد ديمقراطية وشفافة.

وفي النهاية، يبقى السؤال موجهاً إلى كل من يقدم نفسه ممثلاً لمغاربة العالم: من انتخبكم؟ من فوضكم؟ وما هي القاعدة التي تتحدثون باسمها؟

فالجالية المغربية ليست اسماً تجارياً يوضع على واجهة جمعية، ولا رصيداً رمزياً يستعمل لتلميع المواقع الشخصية. ومن يريد الحديث باسمها عليه أولاً أن يثبت أنه يستمع إليها، ويعمل من أجلها، ويقبل بمساءلتها.

أما الزعامة التي تبدأ من منصة التكريم وتنتهي عند التقاط الصور، فقد تصنع حضوراً في أمسية واحدة، لكنها لا تصنع تمثيلية حقيقية لملايين المغاربة في الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com