لم تكن الضربات الأميركية–الإسرائيلية التي أودت بحياة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي حدثاً صادماً لطهران وحدها، بل شكّلت أيضاً لحظة إحراج تاريخية للنظام الجزائري، الذي وجد نفسه فجأة يتيماً جيوسياسياً، بعد أن تساقط حلفاؤه واحداً تلو الآخر، من دمشق إلى الضاحية الجنوبية، مروراً بكاراكاس، وصولاً إلى قلب «نظام الملالي» نفسه.
الجزائر، التي اعتادت إصدار بيانات نارية حين يتعلق الأمر بإسرائيل، اكتشفت فجأة فضيلة الصمت، وحكمة اللغة الرمادية، وبلاغة «الأسف العميق»، عندما يكون المعتدي هذه المرة… إيران.
بيانان… ولا إدانة واحدة
ردّ الفعل الجزائري على الهجوم الأميركي–الإسرائيلي فجر السبت كان متوقعاً بقدر ما كان مرتبكاً. بيانان رسميان صدرا مساء اليوم ذاته، أحدهما قبل الثامنة بقليل، والآخر بعد ذلك بساعات، وكلاهما يشتركان في شيء واحد: تفادي ذكر اسم إيران كطرف معتدٍ، وتجاهل تام للهجمات الصاروخية التي استهدفت دولاً عربية «شقيقة».

وزارة الخارجية الجزائرية عبّرت عن «أسفها العميق» لفشل المفاوضات الأميركية–الإيرانية في سلطنة عمان، و«قلقها البالغ» من عودة التوتر إلى الخليج، لكنها نسيت –ربما سهواً– أن توضّح من الذي أطلق الصواريخ، ومن الذي استهدف العواصم العربية.
الأشقاء… حسب جدول الأعمال
الأكثر إثارة للسخرية أن البيان الجزائري لم يبدِ أي تضامن مع قطر أو السعودية أو الكويت، رغم أن الرئيس عبد المجيد تبون لا يفوّت مناسبة دون وصف هذه الدول بـ«الأشقاء». صحيح أن الجزائر لا تضيع فرصة لمعاداة الإمارات العربية المتحدة، لكن ماذا عن الدوحة والرياض والكويت؟
المفارقة أن الجزائر، حين استهدفت إسرائيل الدوحة في شتنبر 2025، سارعت إلى الإدانة بأقصى سرعة وبأشد العبارات. أما حين كانت الصواريخ إيرانية، فقد خيّم الصمت، في موقف دبلوماسي يمكن تلخيصه بجملة واحدة: «حين يكون المعتدي حليفاً، يصبح القصف سوء تفاهم».
ضبط النفس… عندما تقصف إيران
في يونيو 2025، حين استهدفت إيران قاعدة العديد الأميركية في قطر، لم تجد الجزائر حرجاً في الدعوة إلى «ضبط النفس والحكمة». دعوة نبيلة في ظاهرها، لكنها بدت، في سياقها، وكأنها رسالة تشجيع مبطّنة لطهران: اضربوا… ونحن سنقلق.
واليوم، يتكرر المشهد نفسه، لكن مع إضافة عنصر جديد: خلية أزمة وخط أخضر، أُنشئا «بتعليمات سامية»، ليس لمتابعة أوضاع الخليج، بل للاطمئنان على الجالية الجزائرية، وكأن الخطر الحقيقي هو على الجزائريين، لا على العواصم العربية التي تتعرض للصواريخ.
إعلام على قلب رجل واحد… اسمه طهران
الصحافة الجزائرية بدورها لم تخذل الخط الرسمي. فجميع العناوين اتفقت على توصيف الضربات بأنها «عدوان أميركي–إسرائيلي»، أو «عدوان أميركي–صهيوني»، مع حذف متعمّد لأي ذكر للصواريخ الإيرانية أو لدور طهران في إشعال المواجهة.
هنا تتجلى وحدة الخطاب: الدولة، والإعلام، والبيانات، كلها تتحدث بلغة واحدة حين يكون الحليف هو إيران، وحين تكون الضحية دولاً عربية.
فزع ما بعد خامنئي
في العمق، لا يخفي هذا الموقف حالة الفزع التي يعيشها النظام الجزائري. فموت خامنئي لا يعني فقط سقوط زعيم إقليمي، بل اختفاء أحد آخر الداعمين الأيديولوجيين والسياسيين لنظام يعيش عزلة دولية خانقة. ومع تراجع نفوذ حزب الله، وانكفاء الحلفاء الواحد تلو الآخر، يصبح السؤال مشروعاً: من التالي؟
هذا التحالف الوثيق مع طهران، الذي لطالما نبهت إليه المملكة المغربية، لم يعد سراً، بل بات يُقرأ بين سطور البيانات، وفي صمت الإدانة، وفي لغة «القلق العميق» التي تُستخدم فقط عندما يكون المعتدي صديقاً.
الجزائر اليوم لا تبكي خامنئي بوصفه مرشداً دينياً، بل بوصفه آخر سند لنظام يجد نفسه وحيداً في عالم متغير. وحين يسقط الحلفاء، وتنكشف الازدواجية، يصبح المستقبل أكثر غموضاً. فالدبلوماسية التي لا تدين إلا أعداءها، وتبرر أصدقاءها، قد تصمد بياناً أو بيانين… لكنها نادراً ما تصمد أمام التاريخ.