حين تعود الجغرافيا السياسية لتصحيح التاريخ: من قضية القبايل إلى ارتدادات ملف الصحراء المغربية
بوشعيب البازي
لم تعد قضية القبايل مجرد ملف حقوقي هامشي يثار في بعض المنابر الأكاديمية أو داخل دوائر النشطاء في الشتات. فخلال الأشهر الأخيرة، بدأ هذا الملف يكتسب زخماً سياسياً واضحاً داخل مؤسسات دولية وبرلمانات كبرى، في تحول يعكس إعادة طرح أسئلة الهوية والتمثيلية داخل الدولة الجزائرية نفسها.
فبعد أن أبدى البرلمان الكندي استعداداً لفتح نقاش مؤسساتي حول وضعية شعب القبايل وحقه في التمثيل الدولي، يأتي الدور الآن على البرلمان الأوروبي الذي برمج جلسة لمناقشة قضية شعب القبايل بوصفه مكوّناً ثقافياً وتاريخياً متميزاً عن البنية السياسية للدولة الجزائرية المعاصرة.

هذه الخطوة لا تعني فقط إدراج قضية جديدة على جدول أعمال المؤسسات الأوروبية، بل تعكس تحوّلاً أعمق في المقاربة الغربية لملفات الأقليات والهويات داخل شمال إفريقيا.
قضية تتجاوز البعد الثقافي
داخل أروقة البرلمان الأوروبي، يقود عدد من النواب مبادرات لفتح نقاش موسع حول ما يعتبرونه “اضطهاداً سياسياً وثقافياً” يتعرض له سكان منطقة القبايل. ومن بين أبرز الأصوات الداعمة لهذا الطرح البرلماني الفرنسي Nicolas Bay، المنتمي إلى تيار المحافظين الأوروبيين، والذي دعا إلى إدراج الملف القبائلي ضمن أجندة النقاشات الأوروبية المتعلقة بحقوق الأقليات.
كما يحظى هذا التوجه بدعم بعض الشبكات الدينية والمدنية في أوروبا، التي تدعو إلى ممارسة ضغوط سياسية على الجزائر بسبب ما تصفه بـ“سياسات الإقصاء الثقافي واللغوي” تجاه سكان القبايل.
وبحسب هذه المبادرات، فإن جزءاً كبيراً من النخب القبائلية وجد نفسه مضطراً للهجرة نحو أوروبا خلال العقود الماضية، فيما يعيش من بقي داخل المنطقة في ظل تضييق سياسي وأمني متواصل.
ارتدادات جيوسياسية على ملف الصحراء
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا التطور لا يكمن فقط في قضية القبايل نفسها، بل في انعكاساته الجيوسياسية على معادلات المنطقة المغاربية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، لعبت الجزائر دوراً مركزياً في دعم جبهة جبهة البوليساريو سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، في إطار صراع إقليمي طويل مع المغرب حول مستقبل الصحراء.
لكن المفارقة التي بدأت تبرز اليوم داخل بعض الدوائر السياسية الأوروبية تتمثل في أن الدولة التي طالما قدمت نفسها مدافعة عن “حق الشعوب في تقرير المصير”، تجد نفسها الآن في مواجهة مطالب مشابهة داخل حدودها الوطنية.
هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤالاً استراتيجياً لطالما طرحه الدبلوماسيون المغاربة: كيف يمكن لدولة أن تدافع عن حق تقرير المصير خارج حدودها بينما ترفض حتى مناقشة هذا المبدأ داخل أراضيها؟
انقلاب في الخطاب الدولي
في الواقع، لم تعد قضية الصحراء المغربية تُناقش اليوم بنفس المنطق الذي كان سائداً خلال الحرب الباردة. فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، بدأت تحظى بدعم متزايد داخل العواصم الغربية باعتبارها حلاً واقعياً ومستقراً للنزاع.
وفي المقابل، بدأ الخطاب الجزائري يفقد جزءاً من زخمه الدولي، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بالوضع السياسي الداخلي وبملفات الأقليات.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين أن إثارة قضية القبايل داخل مؤسسات مثل البرلمان الأوروبي قد لا تكون مجرد مبادرة حقوقية، بل تعبيراً عن إعادة توازن في مقاربة الغرب للنزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.
حين تعود السياسات لتواجه مرآتها
التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن توظيف قضايا الانفصال أو تقرير المصير كأدوات جيوسياسية غالباً ما يحمل في طياته مفارقات خطيرة.
فالدول التي تراهن على تفكيك جيرانها عبر دعم حركات انفصالية قد تجد نفسها، مع مرور الزمن، أمام أسئلة مماثلة داخل حدودها.
واليوم، بينما يناقش البرلمان الأوروبي قضية القبايل، تبدو المنطقة المغاربية أمام مشهد سياسي يحمل قدراً كبيراً من المفارقة: الملف الذي استُخدم لعقود ضد المغرب في قضية الصحراء المغربية بدأ يطرق أبواب الجزائر نفسها.
وفي عالم الجيوسياسة، نادراً ما تبقى الأدوات أحادية الاتجاه. فالتاريخ، كما تثبت التجارب، يميل دائماً إلى إعادة توزيع أوراق اللعبة.