عندما تتحول الدبلوماسية إلى نادٍ مغلق: هل السفير محمد عامر هو من يمول لقاءات “أصدقاء المغرب”؟

في عالم الدبلوماسية، تقاس قيمة اللقاءات عادة بحجم تأثير المشاركين فيها، وبقدرتها على فتح أبواب جديدة للمصالح الوطنية، لا بعدد الكؤوس المرفوعة في حفلات الاستقبال ولا بعدد الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. لذلك يحق للمتابع أن يتساءل: ما الذي يجعل سفير المملكة المغربية في بلجيكا، محمد عامر، حاضراً باستمرار في أنشطة جمعية “أصدقاء المغرب”؟ والأهم من ذلك: هل هذا الأخير هو من يمول هذه الجمعية ؟ و ما القيمة المضافة التي تقدمها هذه الجمعية فعلياً للمغرب؟

فالبلاغات الرسمية التي رافقت اللقاء الأخير بمدينة أنتويرب رسمت صورة وردية لعلاقات مغربية-فلمنكية مزدهرة، تحدثت عن الموانئ العملاقة والهيدروجين الأخضر والتعاون الاقتصادي والاستراتيجي. لكن خلف هذه العناوين البراقة، يظل سؤال بسيط يبحث عن جواب: ما هو الدور الحقيقي لجمعية “أصدقاء المغرب” في كل ذلك؟

الجمعية، بحسب ما هو معلن، تأسست سنة 2019 بهدف تعزيز التقارب بين المغرب وبلجيكا. فكرة نبيلة في ظاهرها. غير أن التدقيق في تركيبة مسؤوليها يثير بعض علامات الاستفهام. فمعظم القائمين عليها شخصيات بلجيكية لا تشغل مواقع مؤثرة في دوائر صنع القرار السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي في البلاد. لا وزراء، لا رؤساء أحزاب، لا مسؤولون حكوميون بارزون، ولا حتى فاعلون قادرون على التأثير المباشر في توجهات السياسة الخارجية البلجيكية.

وإذا كان الهدف هو التأثير في القرار البلجيكي لصالح المغرب، فمن الطبيعي التساؤل حول طبيعة الأدوات التي تمتلكها هذه الجمعية لتحقيق ذلك.

الأكثر إثارة للاهتمام أن القاسم المشترك بين عدد من الأسماء المرتبطة بهذه المبادرة لا يبدو مرتبطاً بالمغرب بقدر ما يرتبط بانتمائها إلى دوائر اجتماعية ونخبوية محددة داخل بلجيكا، وعلى رأسها “Cercle Gaulois”، ذلك النادي العريق الذي يشكل فضاءً للقاء النخب السياسية والاقتصادية والثقافية البلجيكية.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام جمعية تعمل فعلاً من أجل المغرب؟ أم أمام شبكة علاقات اجتماعية تستخدم عنوان “الصداقة مع المغرب” لتوسيع دائرة النفوذ المتبادل بين مجموعة من الشخصيات البلجيكية؟

السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نعلم أن تنظيم مثل هذه الأنشطة لا يتم بالمجان. فالقاعات، والاستقبالات، واللوجستيك، والتنقلات، والدعوات، كلها تحتاج إلى تمويل. ومن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت السفارة المغربية تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه اللقاءات، وما هي طبيعة هذا الدعم إن وجد، وما هي المعايير التي تبرره.

فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تقاس بعدد المناسبات البروتوكولية، بل بمؤشرات قابلة للقياس: كم مشروعاً اقتصادياً تم استقطابه؟ كم استثماراً بلجيكياً جديداً دخل المغرب؟ كم قراراً سياسياً مؤثراً تم دعمه؟ وكم شراكة استراتيجية خرجت من رحم هذه اللقاءات؟

أما الاكتفاء بتكرار الخطاب نفسه حول “متانة العلاقات” و”الصداقة التاريخية” و”الشراكة الاستراتيجية”، فهو أشبه بإعادة بث مسلسل قديم يعرف الجميع نهايته قبل مشاهدة الحلقة الأولى.

المفارقة أن العلاقات المغربية البلجيكية لا تحتاج أصلاً إلى جمعية لإثبات وجودها. فهي علاقات راسخة بحكم التاريخ والهجرة والتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني. كما أن آلاف رجال الأعمال والباحثين والجامعيين والجمعيات الجادة ينسجون يومياً روابط حقيقية بين البلدين بعيداً عن الأضواء والولائم الرسمية.

لهذا يبدو السؤال الأكثر أهمية اليوم: هل أصبحت بعض الأنشطة الدبلوماسية تُنظم لخدمة المصالح الاستراتيجية للمغرب، أم لخدمة منطق العلاقات العامة وإعادة تدوير الوجوه نفسها داخل دوائر مغلقة؟

ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها أيضاً طبيعة التغطية الإعلامية التي تحظى بها بعض أنشطة الجمعية. فالملاحظ أن أخبارها تجد طريقها بسرعة إلى عدد من المنابر والمواقع الإلكترونية في صيغة أقرب إلى البيانات الترويجية منها إلى المواد الصحفية الخاضعة للتمحيص والتحليل. ويزداد الجدل عندما تُتداول هذه المواد عبر وسطاء أو مساهمين لا يُعرف عنهم اشتغالهم المهني في مجال الصحافة أو الإعلام. وفي حال كانت بعض هذه الأسماء محل انتقادات أو تحقيقات أو اتهامات خطيرة يعلمها كل فراد الجالية ببلجيكا، فإن ذلك يطرح إشكالاً إضافياً يتعلق بضرورة الفصل بين التواصل المؤسساتي المشروع وبين توظيف شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية لصناعة صورة إعلامية إيجابية. فالدبلوماسية الحديثة تُقاس بقدرتها على تحقيق النتائج الملموسة، لا بعدد المقالات الاحتفالية التي تُنشر حول الأنشطة واللقاءات البروتوكولية

لا أحد يشكك في أهمية الدبلوماسية الموازية أو في دور المجتمع المدني. لكن المجتمع المدني يصبح أكثر إقناعاً عندما ينتج تأثيراً ملموساً، لا عندما يتحول إلى عنوان أنيق لاجتماعات نخبوية يتحدث فيها الجميع عن المغرب، بينما يبقى السؤال معلقاً: ماذا استفاد المغرب فعلاً؟

في النهاية، ليست المشكلة في وجود جمعية تحمل اسم “أصدقاء المغرب”. فالمغرب يحتاج إلى أصدقاء حقيقيين في كل مكان. المشكلة تكمن في معرفة ما إذا كانت هذه الصداقة تُقاس بنتائج ملموسة تخدم المصالح العليا للمملكة، أم أنها مجرد بطاقة دخول إلى صالونات بروكسيل وأنتويرب الراقية، حيث يختلط الحديث عن الاستثمارات الكبرى بأحاديث المجاملة.
:::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com