عندما غاب المنتخب المغربي عن موعده الكبير أمام فرنسا

بوشعيب البازي

لم تكن خسارة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي بهدفين دون رد في الدور ربع النهائي من كأس العالم مجرد نتيجة رياضية عابرة، بل كشفت عن واحدة من أكثر المباريات التي بدا فيها “أسود الأطلس” بعيدين عن هويتهم الكروية التي صنعت إعجاب العالم خلال السنوات الأخيرة. فالهزيمة في كرة القدم تبقى احتمالا واردا، لكن طريقة الأداء هي التي تثير التساؤلات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنتخب اعتاد أن يقدم شخصية قوية، وانضباطا تكتيكيا، وقدرة على منافسة كبار المنتخبات.

منذ الدقائق الأولى، ظهر المنتخب الفرنسي أكثر تنظيما واستحواذا على إيقاع اللقاء، بينما افتقد المنتخب المغربي إلى الجرأة في البناء الهجومي. ولم تنجح خطوط الفريق في إيجاد الترابط الذي ميز أداءه في مباريات سابقة، حيث بدت المسافات متباعدة بين الدفاع والوسط والهجوم، الأمر الذي سهّل على المنافس استرجاع الكرة وفرض نسقه.

أكثر ما لفت الانتباه في هذه المواجهة هو الغياب شبه الكامل للفاعلية الهجومية. فلم يتمكن المنتخب المغربي من صناعة فرص حقيقية بالقدر الذي يسمح بتهديد المرمى الفرنسي، كما غابت التحركات الجماعية والاختراقات من الأطراف، ولم يظهر التنوع في الحلول الهجومية الذي كان يمثل أحد أبرز نقاط قوة المنتخب خلال السنوات الماضية. وتحول المهاجمون في كثير من الأحيان إلى عناصر معزولة بسبب ضعف الإمداد من خط الوسط.

تكتيكيا، لم يقدم المنتخب المغربي الصورة التي اعتاد الجمهور مشاهدتها. فالضغط العالي كان محدودا، والتحولات السريعة من الدفاع إلى الهجوم فقدت فعاليتها، كما أن التغييرات الفنية لم تنجح في إعادة التوازن أو تغيير مجريات اللقاء. وبدا أن المنتخب افتقد القدرة على التكيف مع سيناريو المباراة، في وقت أظهر فيه المنتخب الفرنسي مرونة تكتيكية كبيرة في إدارة مختلف مراحل المواجهة.

ولا يمكن تحميل المسؤولية للاعبين وحدهم، فالجهاز الفني يتحمل بدوره جزءا من المسؤولية المرتبطة بقراءة المباراة واختيار النهج المناسب. إذ بدا أن الحلول التكتيكية كانت محدودة، وأن الفريق لم يجد البدائل الكفيلة بكسر التنظيم الدفاعي الفرنسي أو فرض أسلوب لعبه المعتاد. كما أن ردة الفعل بعد التأخر في النتيجة لم تكن بالمستوى الذي انتظره المتابعون.

ورغم هذه الملاحظات، فإن تقييم المباراة ينبغي أن يتم بعيدا عن الأحكام الانفعالية. فالمنتخب المغربي ما زال يمتلك قاعدة بشرية متميزة تضم لاعبين ينشطون في أكبر البطولات الأوروبية، كما أن المشروع الكروي الوطني أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرته على إنتاج منتخب قادر على المنافسة قاريا وعالميا. غير أن المحافظة على هذا المستوى تتطلب مراجعة دائمة للأداء الفني، وتطوير الخيارات التكتيكية، وتوسيع قاعدة البدائل، حتى لا يصبح المنتخب رهينة لخطة واحدة أو أسلوب لعب ثابت.

لقد أكدت مواجهة فرنسا أن الإنجازات السابقة، مهما بلغت أهميتها، لا تضمن النجاح في الاستحقاقات المقبلة. فالكرة الحديثة تقوم على التطور المستمر، والقدرة على الابتكار، وسرعة التكيف مع مختلف المدارس الكروية. ومن هذا المنطلق، فإن هذه الخسارة يجب أن تُقرأ باعتبارها محطة للتقييم وإعادة البناء، لا سببا للتشكيك في المشروع الرياضي المغربي.

ويبقى المنتخب المغربي مطالبا باستعادة شخصيته التي صنعت له مكانة مرموقة على الساحة الدولية؛ شخصية تقوم على الانضباط التكتيكي، والشجاعة الهجومية، والقدرة على فرض الإيقاع أمام أقوى المنتخبات. فالجماهير لا تنتظر الانتصار في كل مباراة، لكنها تنتظر دائما أن ترى المنتخب يقاتل بأسلوبه المعروف، ويقدم الأداء الذي يعكس حجم التطور الذي بلغته كرة القدم المغربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com