وتكمن أهمية هذه المرحلة في التحول المتزايد في النظرة الفرنسية إلى المغرب. فما يظهر في الخطاب السياسي والاقتصادي لا يمكن اختزاله في مجرد تجاوز لخلافات دبلوماسية أو تسوية لملفات تراكمت خلال السنوات الماضية، بل يعكس، بدرجات متفاوتة، إدراكاً لحقيقة أعمق: المغرب تغير، وموقعه الإقليمي والدولي تغير معه.
فالمغرب لم يعد بالنسبة إلى عدد متزايد من الفاعلين الفرنسيين مجرد جار جنوبي لأوروبا أو شريك تقليدي في ملفات الهجرة والأمن. لقد أصبح دولة تمتلك مشروعاً استراتيجياً، وشبكة متنامية من الشراكات، وقدرة أكبر على التحرك بين فضاءات جغرافية وسياسية واقتصادية متعددة.
المغرب.. شراكات متعددة واستقلالية متزايدة
لم ينتظر المغرب أن تعيد القوى الكبرى اكتشاف أهميته. فقد عمل خلال السنوات الماضية على بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات، تمتد من أوروبا إلى أفريقيا، ومن العالم العربي إلى الولايات المتحدة وآسيا.
وقد ساهم هذا التوجه في توسيع هامش الحركة أمام السياسة الخارجية المغربية، وجعل العلاقات الدولية للمملكة أقل ارتباطاً بمحور واحد وأكثر انفتاحاً على مصالح وشراكات متعددة.
وهنا تبرز إحدى أهم سمات التحول في السياسة المغربية: تنويع الشركاء لا يعني التخلي عن الشراكات التاريخية، بل إعادة وضعها ضمن رؤية أكثر استقلالية وتوازناً.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى العلاقة مع فرنسا باعتبارها استثناءً من هذا التوجه، وإنما باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات التي يسعى المغرب إلى إدارتها وفق حسابات المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الجغرافيا تتحول إلى قوة استراتيجية
لطالما كانت جغرافية المغرب عاملاً مهماً في علاقاته الدولية، لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ.
يقع المغرب عند نقطة التقاء أوروبا بأفريقيا، والأطلسي بالمتوسط، والفضاء العربي بالعمق الأفريقي. غير أن القيمة الاستراتيجية لهذا الموقع أصبحت أكبر بفضل ما راكمته المملكة من بنية تحتية وموانئ وشبكات لوجستية واستثمارات وصناعات وشراكات اقتصادية.
وهكذا تحولت الجغرافيا من مجرد معطى طبيعي إلى أصل استراتيجي يمكن توظيفه في التجارة والاستثمار والطاقة والربط اللوجستي والتعاون الإقليمي.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل المغرب أكثر أهمية في الحسابات الفرنسية والأوروبية، خصوصاً في مرحلة تعيد فيها أوروبا النظر في سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والربط مع أفريقيا، ومستقبل المجال المتوسطي.
فرنسا وأفريقيا.. البحث عن مقاربة جديدة
لا يمكن فهم التحول في العلاقة المغربية–الفرنسية بعيداً عن التحولات التي شهدتها أفريقيا.
فالقارة لم تعد مجالاً حصرياً للنفوذ الأوروبي، وأصبحت أكثر تعدداً في شركائها وانفتاحاً على الصين والولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج والهند وغيرها. كما ارتفع حضور مفهوم السيادة في الخطابات السياسية الأفريقية، وأصبحت الروابط التاريخية وحدها غير كافية لضمان النفوذ أو الشراكات.
وفي هذه البيئة الجديدة، يمكن للمغرب أن يقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقة مع أفريقيا.
فالمغرب لا يسعى إلى أن يكون بديلاً عن فرنسا في القارة، كما لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد وسيط لنقل النفوذ الفرنسي. الأهم أنه بات يمتلك شبكة خاصة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية مع عدد من الدول الأفريقية، ما يمنحه قدرة على العمل داخل بيئة إقليمية متغيرة.
ومن هنا يمكن أن تتطور العلاقة مع فرنسا من علاقة ثنائية تقليدية إلى شراكة ذات امتداد أفريقي ومتوسطي.
إذا أرادت باريس أن تنظر إلى الجنوب لا من نافذة الماضي، بل من أفق المستقبل، فإن المغرب يمكن أن يكون أحد الشركاء الذين يساعدونها على فهم التحولات الجارية والمشاركة فيها على أساس المصالح المشتركة.
من الشراكة الاقتصادية إلى الاستثمار في المستقبل
لقد تغير الاقتصاد المغربي بدوره. فلم تعد المملكة تعتمد فقط على القطاعات التقليدية، بل نجحت في تطوير صناعات ومجالات جديدة، من صناعة السيارات والطيران إلى الطاقات المتجددة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
وهنا تبرز فرصة لإعادة صياغة الشراكة الاقتصادية مع فرنسا.
فبدلاً من حصر العلاقات في المبادلات التجارية والاستثمارات التقليدية، يمكن الانتقال إلى نموذج أكثر طموحاً يقوم على الاستثمار المشترك في القطاعات المستقبلية، وفي مقدمتها الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات المتقدمة، والرقمنة، والبنية التحتية، والبحث العلمي، والتعليم، والصناعات الثقافية.
مثل هذه الشراكات ستكون أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات السياسية، لأنها تقوم على خلق قيمة مشتركة ومصالح متبادلة طويلة الأمد.
الأمن.. من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار
البعد الأمني بدوره مرشح لإعادة تعريفه داخل العلاقة المغربية–الفرنسية.
فالبلدان يواجهان تحديات تتجاوز الحدود الوطنية، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى أمن المتوسط والهجرة غير النظامية وأمن الطاقة والأمن السيبراني.
لكن التعاون في هذه المجالات يحتاج إلى تجاوز منطق العلاقة غير المتكافئة، حيث يُنظر إلى أحد الطرفين أحياناً باعتباره منفذاً لسياسات الطرف الآخر.
الأمن المستدام لا يبدأ من المقاربة الأمنية وحدها، بل من التنمية والاستقرار وخلق الفرص.
وفي هذا المجال، يمكن للمغرب أن يقدم قيمة إضافية من خلال علاقاته الاقتصادية والتنموية مع عدد من الدول الأفريقية، وربط الاستثمار والتجارة بالبنية التحتية والتعاون جنوب–جنوب.
وبذلك يمكن أن يتحول المغرب من شريك في إدارة الأزمات الأمنية إلى شريك في صناعة الاستقرار الإقليمي.
الثقافة والإنسان.. رأسمال العلاقة المنسي
وربما يكون البعد الثقافي والإنساني من أكثر المجالات التي تحتاج إلى إعادة التفكير.
فالعلاقات المغربية–الفرنسية تحمل إرثاً بشرياً واسعاً، تتداخل فيه الجامعات والشركات واللغات والجاليات والفنون والمصالح الإنسانية المشتركة.
غير أن هذا الإرث لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حنين إلى الماضي.
فالفرنسية في المغرب ليست مجرد لغة مرتبطة بالتاريخ، كما أن المغاربة في فرنسا ليسوا مجرد جالية مهاجرة. لقد نشأ فضاء إنساني واقتصادي وثقافي متداخل بين البلدين، ويمكن لهذا الفضاء أن يصبح جسراً حقيقياً نحو المستقبل إذا جرى التعامل معه باعتباره علاقة متبادلة، وليس علاقة في اتجاه واحد.
وهنا تبرز أهمية الجامعات والبحث العلمي والتبادل الثقافي والإبداع الفني والتعاون بين الشباب، باعتبارها أدوات لبناء علاقة تتجاوز الحكومات والسياسات الظرفية.
المستقبل لا يحتاج إلى محو التاريخ
إن إعادة بناء العلاقة المغربية–الفرنسية لا تعني محو التاريخ أو تجاهل تعقيداته، وإنما تعني عدم السماح للماضي بأن يحدد وحده مستقبل العلاقة.
المغرب اليوم ليس هو المغرب الذي عرفته فرنسا قبل عقود، وفرنسا نفسها تواجه بيئة دولية وإقليمية مختلفة عما كانت عليه في السابق. لذلك فإن استمرار الشراكة يتطلب من الطرفين القدرة على التكيف مع هذه التحولات.
المغرب لا يحتاج إلى فرنسا كي يثبت أنه لاعب إقليمي صاعد، لكنه يستطيع، من خلال شراكة متوازنة معها، أن يضاعف قيمة موقعه وإمكاناته وشبكة علاقاته.
وفرنسا، في المقابل، لا تحتاج إلى استعادة الماضي، بقدر ما تحتاج إلى بناء شراكات جديدة تتناسب مع عالم متعدد الأقطاب، تكون فيها السيادة والمصلحة المتبادلة والاحترام المتبادل عناصر أساسية.
وفي النهاية، فإن العلاقة بين الرباط وباريس قد تكون أمام فرصة تتجاوز مجرد المصالحة الدبلوماسية. إنها فرصة لإعادة تعريف معنى الشراكة نفسها.
فالعلاقات التاريخية لا يجب أن تكون عبئاً على المستقبل؛ وإذا أعيد تعريفها بواقعية وشجاعة، يمكن أن تتحول إلى رأسمال استراتيجي لصناعة المستقبل.
المغرب لا يغادر شراكاته القديمة، لكنه يعيد ترتيبها داخل رؤية جديدة.
وفرنسا، إذا أرادت أن تنظر إلى الجنوب من أفق المستقبل، ستجد في المغرب ليس فقط شريكاً تاريخياً، بل دولة ذات حضور إقليمي متنامٍ، وشبكة علاقات واسعة، وموقع استراتيجي يمكن أن يجعلها شريكاً مهماً في صياغة توازنات المتوسط وأفريقيا خلال السنوات المقبلة.