بنكيران ورجل الأمن أمام صندوق الاقتراع.. عندما تصبح صفة السياسي أكبر من احترام موظف الدولة

بوشعيب البازي

Screenshot

في مشهد كان يفترض أن يجسد أرقى صور احترام القانون وهيبة المؤسسات، وجد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، نفسه في قلب واقعة مثيرة للجدل داخل أحد مراكز التصويت، بعدما أظهر تسجيل متداول سلوكاً اعتبره متابعون مهيناً تجاه أحد رجال الأمن المكلفين بتأمين عملية الاقتراع.

وبحسب ما يظهر في التسجيل المتداول، قام بنكيران بمد يده باتجاه رجل الأمن وضرب يده، قبل أن يثور في وجهه و يرفع صوته على موظف الدولة، في مشهد يطرح سؤالاً أكبر من شخص بنكيران نفسه: هل تختلف قواعد التعامل مع موظف عمومي عندما يكون الطرف الآخر شخصية سياسية وازنة؟

السؤال هنا ليس انتخابياً ولا حزبياً، ولا يتعلق بموقف من العدالة والتنمية أو من أمينه العام. إنه سؤال يتعلق بمبدأ بسيط يفترض أن يكون فوق الجميع: المواطنون متساوون أمام القانون.

صندوق الاقتراع ليس منطقة فوق القانون

المفارقة أن الواقعة، إن تأكدت تفاصيلها كما تظهر في التسجيل، حدثت داخل مركز للتصويت، أي في فضاء يفترض أن تكون فيه رمزية الدولة والقانون والانضباط في أعلى درجاتها.

رجل الأمن الموجود في مركز الاقتراع لا يوجد هناك بصفته الشخصية، ولا باعتباره خصماً سياسياً لأي أحد، وإنما يؤدي مهمة مرتبطة بحماية النظام وتأمين العملية الانتخابية.

وبالتالي، فإن أي احتكاك معه أثناء أدائه لمهامه لا ينبغي أن يتحول إلى مسألة تتحدد خطورتها بحسب هوية الشخص المقابل له.

عبد الإله بنكيران شخصية سياسية معروفة، ورئيس حكومة سابق، وأمين عام لحزب سياسي، لكن كل هذه الصفات لا تمنحه ـ من حيث المبدأ ـ حصانة من القواعد العامة التي تحكم علاقة المواطنين بموظفي الدولة ورجال القوة العامة. بل إن المسؤول السياسي يفترض أن يكون أكثر إدراكاً لرمزية احترام مؤسسات الدولة.

ماذا يقول القانون؟

الفصل 263 من مجموعة القانون الجنائي المغربي يجرّم إهانة رجال القضاء والموظفين العموميين ورؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، متى اتخذت الإهانة صوراً محددة وبقصد المساس بالشرف أو الشعور أو الاحترام الواجب للسلطة. ويقرر النص عقوبة بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من 250 إلى 5000 درهم.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: وجود واقعة مصورة قابلة للمشاهدة، وبين ثبوت الجريمة قانوناً. فالتكييف النهائي لأي سلوك، وتحديد ما إذا كانت عناصر الجريمة متوافرة، يظل من اختصاص السلطات القضائية المختصة.

لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال المشروع: إذا كان القانون يحمي الموظف العمومي من الإهانة والاعتداء أثناء قيامه بمهامه، فهل ينبغي أن تتوقف هذه الحماية عندما يكون الطرف الآخر شخصية سياسية؟

الحموشي أمام اختبار مبدأ المساواة

هنا تتجه الأنظار، بطبيعة الحال، إلى المؤسسة الأمنية وإلى الإدارة العامة للأمن الوطني، ليس للمطالبة بمعاملة استثنائية، وإنما بالعكس تماماً: للمطالبة بتطبيق القواعد نفسها على الجميع.

فالمطلوب ليس أن تكون شخصية سياسية مستهدفة بسبب مكانتها، كما أنه ليس مطلوباً أن تتمتع بحماية خاصة بسبب مكانتها.

المطلوب هو شيء أبسط بكثير: أن يكون رجل الأمن، عندما يؤدي وظيفته، محمياً بالقانون، وأن يكون أي شخص يتجاوز الحدود القانونية خاضعاً للمسطرة نفسها، أياً كان اسمه أو موقعه أو تاريخه السياسي.

والنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية نفسه ينص على التزام الإدارة بحماية الموظفين من التهديدات والتهجمات والإهانات والتشنيع والسباب التي قد يتعرضون لها بمناسبة قيامهم بمهامهم.

ومن هنا يصبح السؤال موجهاً إلى المؤسسات، وليس إلى الأشخاص: هل ستُطبَّق هذه القاعدة عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية كبيرة؟

بنكيران نفسه يرفع شعار “المعقول” المفارقة السياسية لا تخلو من دلالة.

فبنكيران جعل في حملته الانتخابية الأخيرة مفهوم “المعقول” محوراً متكرراً في خطابه، ودعا المواطنين إلى مواجهة من يتلاعب بهم واستعمال أصواتهم بطريقة مسؤولة. كما دعا إلى المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026، وربطها بمسؤولية المواطنين في اختيار ممثليهم.

لكن “المعقول”، إذا كان قيمة سياسية وأخلاقية، لا يمكن أن يكون انتقائياً.

فاحترام رجل الأمن، واحترام الموظف العمومي، واحترام المؤسسات، واحترام القانون، ليست شعارات انتخابية تُستخدم في المنصات ثم تتوقف عند باب مركز التصويت. المعقول يبدأ عندما تنتهي الرغبة في فرض الذات على الآخر.

لا امتياز سياسياً أمام القانون

المغرب الذي يريد ترسيخ دولة المؤسسات لا يمكن أن يقبل بمنطقين متوازيين: قانون صارم للمواطن العادي، وقانون مرن للشخصيات السياسية.

فإذا كان المواطن العادي يُسأل عن سلوكه تجاه موظف عمومي أثناء قيامه بمهامه، فمن المشروع أن يُطرح السؤال نفسه عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية، مع كامل الاحترام لمبدأ قرينة البراءة وللاختصاص القضائي. وهذا تحديداً هو الاختبار الحقيقي.

ليس المطلوب معاقبة بنكيران لأنه بنكيران، وليس المطلوب أيضاً إعفاؤه لأنه بنكيران.

المطلوب أن يُعامل بنكيران، في هذه الواقعة، كما يُعامل أي مواطن آخر إذا ثبتت في حقه الأفعال نفسها وتوافرت عناصر المخالفة نفسها.

أما أن تتحول المكانة السياسية إلى جواز مرور فوق القواعد، فذلك سيبعث برسالة بالغة الخطورة إلى رجل الأمن والموظف العمومي والمواطن العادي على حد سواء.

السؤال الذي ينتظر جواباً

اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بما فعله بنكيران أو بما لم يفعله.

السؤال الأكبر هو: هل تستطيع المؤسسات أن تثبت أن هيبة القانون لا تُقاس باسم الشخص الذي يقف أمام رجل الأمن؟

وإذا كانت الواقعة المصورة تستوجب، وفقاً للتكييف القانوني للجهات المختصة، فتح بحث أو اتخاذ إجراء، فالمعيار ينبغي أن يكون واحداً: القانون، لا الشهرة، ولا المنصب السابق، ولا الانتماء الحزبي.

فالشرطي الذي يقف داخل مركز التصويت لا ينبغي أن ينظر إلى بطاقة المواطن أو رتبته السياسية قبل أن يؤدي واجبه.

وبالمقابل، لا ينبغي لأي مواطن، مهما كان اسمه أو تاريخه أو موقعه، أن ينظر إلى الزي الأمني باعتباره أقل قيمة من صفته الشخصية.

في دولة المؤسسات، لا يوجد مواطن فوق القانون، ولا موظف تحت القانون. الجميع أمامه سواء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com