مدونة الأسرة الجديدة أمام اختبار التحولات الاجتماعية.. وهبي يتوقع إحالتها على البرلمان خلال شهرين

حنان الفاتحي

بعد سنوات من الانتظار وتأجيل الحسم التشريعي، يستعد مشروع مراجعة مدونة الأسرة للانتقال إلى مرحلة جديدة، مع ترقب إحالته على البرلمان خلال الشهرين المقبلين، وفق ما أعلن عنه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الاثنين، أمام مجلس النواب. ويأتي هذا التطور في سياق نقاش مجتمعي متزايد حول الطلاق والتطليق، وحدود التوازن بين حماية الأسرة وضمان الحقوق الفردية للزوجين.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية، أكد وهبي أن المغرب لا يزال يحتكم إلى مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004، موضحاً أن المشروع الجديد لم يُعرض بعد على المؤسسة التشريعية، رغم انتهاء مراحل المشاورات. واعتبر أن تحميل المسؤولية للجهات التي وضعت النص قبل أكثر من عقدين لا يقدم حلولاً للمشكلات الراهنة، مشدداً على ضرورة التعامل مع الإصلاح باعتباره استجابة لتحولات المجتمع وليس مجرد مراجعة لنص قانوني.

154 ألف قضية طلاق وتطليق.. ماذا تقول الأرقام؟

أعاد ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق إلى واجهة النقاش مسألة تفسير الأرقام المتداولة، بعدما أشار الوزير إلى تسجيل نحو 268 ألف حالة زواج سنوياً، مقابل 154 ألف طلب يتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية. غير أن وهبي شدد على ضرورة عدم الخلط بين الملفات المسجلة أمام المحاكم وحالات الانفصال التي تنتهي فعلياً بصدور أحكام قضائية.

وتؤكد بيانات المجلس الأعلى للسلطة القضائية هذا المنحى التصاعدي. فقد بلغ عدد قضايا الطلاق والتطليق المسجلة بأقسام قضاء الأسرة والمراكز القضائية 154 ألفاً و377 قضية خلال سنة 2025، بزيادة قدرها 6482 قضية مقارنة بسنة 2024، أي بنسبة 4.38 في المائة.

وكانت هذه القضايا قد سجلت تراجعاً محدوداً خلال سنة 2024، إذ انتقلت من 151 ألفاً و168 قضية سنة 2023 إلى 147 ألفاً و895 قضية، قبل أن تعود إلى الارتفاع في السنة الموالية. كما أظهرت المعطيات استمرار حضور الطلاق الاتفاقي والتطليق للشقاق ضمن أبرز الصيغ القانونية المعتمدة لإنهاء العلاقة الزوجية.

وتقتضي قراءة هذه الأرقام التمييز بين الطلاق، الذي تنظمه المادة 78 من مدونة الأسرة باعتباره حلاً لميثاق الزوجية وفق الضوابط القانونية وتحت مراقبة القضاء، والتطليق الذي يصدر بموجب حكم قضائي بناء على طلب أحد الزوجين ووفق الأسباب المحددة قانوناً. كما أن تسجيل الطلب لا يعني بالضرورة اكتمال المسطرة أو صدور حكم نهائي، إذ قد تنجح محاولات الصلح في إعادة العلاقة الزوجية إلى مسارها.

المطلوب مراجعة النظرة الاجتماعية إلى المطلقة

ولم يحصر وزير العدل مداخلته في الجوانب الإحصائية والقانونية، بل أثار مسألة لا تقل أهمية، تتعلق بالتمييز الاجتماعي في التعامل مع الرجل والمرأة بعد انتهاء الزواج. وتساءل عن أسباب استمرار تصوير المرأة المطلقة باعتبارها موضع شبهة أو فشلاً اجتماعياً، في حين لا يتعرض الرجل الذي ينهي العلاقة الزوجية للأحكام نفسها.

ويطرح هذا الموقف إشكالية تتجاوز النص القانوني إلى الثقافة المجتمعية السائدة، التي لا تزال في بعض البيئات تربط قيمة المرأة باستمرار زواجها، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة أو حجم الخلافات التي تعيشها. فالحماية القانونية للمرأة لا تكتمل بمجرد إقرار الحقوق، ما لم ترافقها مراجعة للأحكام المسبقة التي قد تحول وضعها الاجتماعي إلى مصدر للتمييز والإقصاء.

وفي هذا السياق، أعاد وهبي طرح مسألة حرية الاختيار، معتبراً أن الاعتراف بحق المرأة في اختيار الزواج ينبغي أن يقابله الاعتراف بحقها في إنهائه عندما تصبح العلاقة غير قابلة للاستمرار. وهي مقاربة تضع المسؤولية الزوجية في إطارها المشترك، بعيداً عن تحميل طرف واحد تبعات الانفصال بصورة مسبقة.

الوساطة الأسرية خارج ضغط المحاكم

على المستوى المؤسساتي، أشار الوزير إلى أن وزارة العدل تبحث عن آليات أكثر فعالية للوساطة الأسرية، خصوصاً أن إسناد هذه المهمة إلى القاضي نفسه يطرح إشكالات عملية، بالنظر إلى حجم الملفات وضيق الوقت المتاح أمامه. فالوساطة ليست مجرد إجراء شكلي يسبق الحكم، بل تحتاج إلى ظروف تسمح بالاستماع إلى الطرفين وفهم أسباب النزاع والبحث عن حلول قابلة للاستمرار.

وتبرز هنا الحاجة إلى تطوير منظومة متخصصة في الوساطة، تتجاوز حدود التدخل القضائي التقليدي، مع توفير مواكبة اجتماعية ونفسية عند الاقتضاء، خصوصاً في الملفات التي توجد فيها أطفال أو ترتبط بخلافات ممتدة.

كما كشف وهبي عن عقد اجتماع مع المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، بهدف وضع قواعد إحصائية مشتركة، في ظل اختلاف المعطيات الصادرة عن وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمندوبية السامية للتخطيط. ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة، لأن وضع سياسات عمومية ناجعة يقتضي أولاً امتلاك بيانات دقيقة وموحدة، تميز بين طلبات الطلاق والأحكام النهائية وحالات الصلح والتراجع عن المساطر.

الاستقرار الأسري يتجاوز الدعم المادي

من جهته، دعا أنس حدادي، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى اعتماد مقاربة شمولية في معالجة ظاهرة الطلاق، محذراً من اختزالها في العامل الاقتصادي أو الاكتفاء بإجراءات مالية ظرفية.

واعتبر أن استقرار الأسرة يرتبط أيضاً بجودة التواصل بين الزوجين، والقدرة على تدبير الخلافات، ومواكبة التحولات الاجتماعية والقيمية التي يعرفها المجتمع المغربي. فالسكن والدخل وظروف العمل عناصر مؤثرة، لكنها لا تفسر وحدها أسباب تفكك العلاقات الزوجية.

وتتداخل في هذه الظاهرة عوامل متعددة، من بينها الضغوط الاقتصادية، وصعوبات السكن، ومتطلبات العمل والتنقل، فضلاً عن تغير أدوار المرأة والرجل داخل الأسرة. كما أشار وهبي إلى معطيات بحثية توصلت بها الوزارة تربط بين اتساع الاستقلالية المادية للمرأة وتراجع بعض القيود التي كانت تحول دون اتخاذها قرار الانفصال، حتى في حالات تعرضها للإهانة أو استمرار الخلافات الزوجية.

وفي المقابل، يرى المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن انتشار الطلاق الاتفاقي يعكس تحولاً في طريقة إنهاء العلاقات الزوجية، بالنظر إلى ما يوفره من مرونة إجرائية وتوافق بين الطرفين، فضلاً عن الحد من حدة النزاعات وما قد تخلفه من آثار نفسية واجتماعية، خصوصاً على الأطفال.

إصلاح مدونة الأسرة أمام امتحان التوازن

لا يتعلق الرهان المرتبط بمراجعة مدونة الأسرة بمجرد تقليص أعداد قضايا الطلاق أو تعديل بعض المساطر القانونية، بل بمدى قدرة التشريع الجديد على الاستجابة لتحولات المجتمع، وتحقيق التوازن بين استقرار الأسرة وصيانة حقوق أفرادها.

فالقانون وحده لا يستطيع ضمان استمرار علاقة زوجية فقدت مقوماتها، كما أن تسهيل إجراءات الانفصال لا ينبغي أن يكون بديلاً عن تطوير آليات الوقاية والوساطة والحماية. وبين هذين الاعتبارين، تبرز ضرورة بناء مقاربة تضمن حقوق الزوجين، وتحمي الأطفال من تداعيات النزاعات، وتمنع تحول الطلاق إلى وصمة اجتماعية تطارد أحد الطرفين.

وبين انتظار الإحالة البرلمانية وتزايد النقاش حول واقع الأسرة المغربية، سيكون مشروع المدونة الجديدة أمام اختبار حقيقي: هل سينجح في تقديم إجابات قانونية ومؤسساتية عن التحولات التي أفرزتها السنوات الماضية، أم سيظل الإصلاح محصوراً في تعديل المقتضيات دون معالجة الأسباب الاجتماعية العميقة للنزاعات الأسرية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com