الصحراء المغربية.. تجدد العمليات العسكرية المعلنة للبوليساريو يعيد طرح تصنيفها منظمة إرهابية

سومية العلكي

الاعتداءات التي يعلن الانفصاليون مسؤوليتهم عنها ضد مواقع عسكرية مغربية تثير تساؤلات بشأن طبيعة نشاطهم المسلح، وحدود الدعم الخارجي الذي يتلقونه، وانعكاسات التصعيد على أمن المنطقة واستقرارها.

تعيد التصريحات العسكرية الأخيرة لجبهة البوليساريو ملف أنشطتها المسلحة إلى واجهة النقاش الإقليمي والدولي، بعدما أعلنت الجبهة مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات التي قالت إنها استهدفت مواقع للقوات المسلحة الملكية في عدد من مناطق الصحراء المغربية. وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودبلوماسي حساس، يتسم بتجدد التوترات حول مستقبل المسار الأممي، وما يرافق ذلك من تساؤلات بشأن تداعيات استمرار المواجهة المسلحة على استقرار المنطقة.

ووفق ما نشرته وكالة الأنباء التابعة للبوليساريو، «وكالة الأنباء الصحراوية» (SPS)، يومي 1 و2 نونبر 2026، فإن وحدات تابعة للجبهة نفذت عمليات عسكرية في قطاع أم دريكة، استهدفت خلالها مواقع للجيش المغربي.

وفي بيان باللغتين العربية والإنجليزية، نسبته الوكالة إلى ما يسمى «وزارة الدفاع الصحراوية»، ادعت الجبهة أن مجموعات من مقاتليها نفذت، فجر الأحد فاتح نونبر، قصفا مكثفا استهدف مواقع عسكرية مغربية بمنطقة أگلاب الكامونة، متحدثة عن خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المغربية، دون تقديم حصيلة رقمية أو أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من صحة هذه الادعاءات.

كما تحدثت الوكالة عن عمليات أخرى قالت إن مقاتلي الجبهة نفذوها في قطاعي المحبس وأمگالا، مشيرة إلى استهداف مواقع عسكرية في منطقتي أكرارة أعتاسة ولگويْد، فضلا عن هجوم مزعوم على مركز قيادة خلفي بمنطقة گليب العش خلال ليلة 30 و31 أكتوبر.

وتبقى هذه المعطيات، في غياب تأكيد مستقل، ضمن الرواية التي تقدمها الجبهة بشأن عملياتها العسكرية، ولا يمكن التعامل مع الحصيلة التي تعلنها باعتبارها وقائع مثبتة.

خطاب عسكري يعيد طرح طبيعة البوليساريو

إن تواتر البيانات التي تعلن فيها الجبهة تنفيذ عمليات مسلحة ضد مواقع مغربية يطرح أسئلة تتجاوز الجانب العسكري، لتشمل طبيعة التنظيم وأهدافه السياسية، ومدى ارتباط خطابه الانفصالي بخيارات المواجهة المسلحة.

فاستمرار الترويج للعمليات العسكرية، مهما كانت نتائجها الفعلية، يعكس رغبة البوليساريو في الإبقاء على منطق التصعيد وإظهار قدرتها على مواصلة المواجهة، في وقت تعرف فيه قضية الصحراء تحولات دبلوماسية متسارعة داخل أروقة الأمم المتحدة.

وتزداد حساسية هذه التطورات بالنظر إلى النقاشات التي شهدها مجلس الأمن بشأن مستقبل المسار السياسي والوجود الأممي في المنطقة، وما رافقها من مواقف متباينة للقوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا.

وبالنسبة إلى المغرب، يظل الحفاظ على الأمن والاستقرار في أقاليمه الجنوبية واحترام الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار من الثوابت الأساسية في التعامل مع الملف، فيما تثير العمليات التي تعلن عنها الجبهة مخاوف من اتساع دائرة التوتر وتقويض الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية.

الجزائر في قلب معادلة المسؤولية الإقليمية

لا يمكن تناول تطورات النزاع بمعزل عن الدور الجزائري، بالنظر إلى وجود قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف فوق الأراضي الجزائرية، فضلا عن الدعم السياسي الذي تقدمه الجزائر للجبهة.

ويضع هذا الواقع السلطات الجزائرية أمام تساؤلات متجددة بشأن طبيعة الدعم المقدم للتنظيم، ومدى انعكاسه على استمرار المواجهة العسكرية في المنطقة. كما يعيد إلى الواجهة مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية الجزائرية، ممثلة في الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، عن الخيارات التي تتخذها الدولة في تدبير هذا الملف.

غير أن تحديد المسؤولية القانونية عن أي عمليات عسكرية يظل رهينا بأدلة موثقة تثبت طبيعة المشاركة أو الدعم ومداه، ولا يكفي فيه الاستناد إلى المواقف السياسية أو الاتهامات المتبادلة.

وتتجاوز تداعيات هذا الوضع العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر، لتطال أمن منطقة المغرب العربي واستقرار الحدود، في ظل بيئة إقليمية تعاني أصلا من هشاشة أمنية وتنافس جيوسياسي متزايد.

هل تقترب البوليساريو من مواجهة مطلب التصنيف منظمة إرهابية؟

أعادت العمليات التي تعلن الجبهة مسؤوليتها عنها إحياء النقاش بشأن إمكانية إدراج البوليساريو ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية لدى بعض الدول، خصوصا في ضوء استمرار اعتمادها الخطاب العسكري وإعلانها تنفيذ هجمات ضد مواقع تابعة للقوات المسلحة المغربية.

لكن الانتقال من الإدانة السياسية إلى التصنيف القانوني يقتضي التمييز بين الحركة السياسية والتنظيم المسلح والتنظيم المصنف إرهابيا. فهذه الصفة لا تُمنح لمجرد تبني خطاب انفصالي أو إعلان المسؤولية عن عمليات عسكرية، وإنما تستوجب توافر معايير قانونية محددة وأدلة قابلة للتحقق، وفقا للتشريعات والإجراءات المعمول بها لدى الجهات المختصة.

كما أن الاتهامات المتعلقة بوجود دعم خارجي للجبهة، بما في ذلك ما يُثار بشأن صلات محتملة بإيران، تحتاج بدورها إلى معطيات مستقلة وموثقة قبل تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة.

ومع ذلك، فإن استمرار العمليات المسلحة المعلنة يفرض على المجتمع الدولي إعادة تقييم المخاطر الأمنية المرتبطة بهذا الوضع، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع النزاع من زاويته السياسية والدبلوماسية وحدها.

تصعيد لا يخدم الاستقرار المغاربي

تكشف التطورات الأخيرة أن استمرار منطق المواجهة المسلحة يهدد بتعقيد المشهد الإقليمي، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خفض التوتر وإعادة بناء الثقة وتهيئة الظروف أمام حل سياسي دائم.

وبين البيانات العسكرية الصادرة عن البوليساريو والمواقف المتباينة للقوى الدولية، تبقى مسؤولية تجنب التصعيد وحماية الاستقرار مسؤولية تتطلب انخراط جميع الأطراف، بعيدا عن الحسابات الإقليمية الضيقة.

فالسؤال لم يعد مقتصرا على عدد العمليات التي تعلن الجبهة تنفيذها، بل أصبح مرتبطا بمستقبل هذا النهج المسلح، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية السياسية.

وفي نهاية المطاف، فإن أي تقييم دولي جدي لأنشطة البوليساريو ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأدلة، وأن يضع أمن المنطقة واحترام القانون الدولي في صدارة الأولويات، بما يضمن عدم تحول نزاع طال أمده إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار في شمال إفريقيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com