الجزائر ومطبعة النقود: تسع سنوات من التمويل الاستثنائي الذي تحوّل إلى سياسة دائمة

بوشعيب البازي

من أزمة النفط إلى تضخم الاختلالات المالية، كيف تحوّل التمويل النقدي لعجز الميزانية إلى عبء على الدينار والقدرة الشرائية للجزائريين؟

لم تكن طباعة النقود في الجزائر، التي أُطلقت سنة 2017 تحت مسمى «التمويل غير التقليدي»، سوى حل استثنائي أعلنته السلطات لمواجهة أزمة مالية حادة. لكن الإجراء الذي حُددت مدته في خمس سنوات سرعان ما تجاوز إطاره الزمني، ليتحول إلى إحدى آليات تمويل خزينة الدولة، في ظل استمرار الاعتماد على عائدات المحروقات وتعثر الإصلاحات الهيكلية.

وبينما كان يفترض أن يمنح هذا الخيار الحكومة هامشاً زمنياً لإعادة ترتيب المالية العامة وتنويع مصادر الإيرادات، انتهى إلى تكريس اختلالات قائمة أصلاً. فالسيولة التي ضُخت في الاقتصاد لم تقابلها زيادة موازية في الإنتاج، فيما ظل الدينار تحت ضغط تراجع قيمته، ووجدت الأسر نفسها أمام أسعار متصاعدة وقدرة شرائية تتآكل تدريجياً.

المسألة، إذن، لا تتعلق بمجرد قرار نقدي اتُّخذ في ظرف استثنائي، بل بنموذج اقتصادي لم ينجح في تحويل الموارد النفطية إلى قاعدة إنتاجية قادرة على تمويل الإنفاق العام بصورة مستدامة.

من صدمة النفط إلى تشغيل مطبعة النقد

تعود جذور الأزمة إلى انهيار أسعار النفط سنة 2014، حين بدأت الموارد المالية التي اعتمدت عليها الدولة الجزائرية لعقود تتراجع بصورة حادة. وقد استنزفت السلطات جزءاً مهماً من صندوق ضبط الإيرادات، الذي كان يفترض أن يشكل احتياطياً لمواجهة تقلبات السوق النفطية.

وفي أكتوبر 2017، خلال رئاسة عبد العزيز بوتفليقة وحكومة أحمد أويحيى، اتجهت السلطات إلى التمويل غير التقليدي، بموجب القانون رقم 17-10، الذي سمح لبنك الجزائر بتمويل الخزينة مباشرة لمدة استثنائية حُددت بخمس سنوات.

كان الهدف المعلن توفير السيولة اللازمة لتغطية النفقات العمومية، بما فيها أجور الموظفين واستمرار المشاريع المتوقفة، دون اللجوء إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي أو التوسع في الاقتراض الخارجي.

غير أن ما قُدم باعتباره تدبيراً مؤقتاً تحول إلى خيار مالي مثير للجدل. فبدلاً من استغلال الفترة المحددة لإصلاح المنظومة الجبائية، وتطوير القطاع الخاص، وتقليص الاعتماد على الواردات، استمرت الدولة في الاعتماد على التمويل النقدي لتغطية احتياجاتها.

وفي تسجيل مصور نشره الصحفي الجزائري المقيم في فرنسا عبدو سمار خلال شتنبر 2020، جرى تسليط الضوء على خلفيات القرار وحجمه، باعتباره نقطة تحول في إدارة الأزمة المالية الجزائرية.

ووفق الأرقام التي أوردها سمار، كان البرنامج الأولي يستهدف ضخ نحو 3050 مليار دينار بين 2017 و2019، بما يعادل آنذاك حوالي 27.5 مليار دولار. غير أن تقديراته تشير إلى أن المبالغ التي جرى إصدارها فعلياً بلغت 6556 مليار دينار، أي ما يقارب 55 مليار دولار، وهو حجم تجاوز بأكثر من الضعف السقف المعلن.

كما أشار موقع Le360، استناداً إلى بيانات الفترة نفسها، إلى أن الإصدارات النقدية بلغت 4005 مليارات دينار مع نهاية شتنبر 2018.

وتكشف هذه الأرقام، بصرف النظر عن اختلاف التقديرات، عن اتساع نطاق التمويل النقدي خلال فترة قصيرة، وعن صعوبة إبقاء إجراء استثنائي ضمن الحدود التي وضعتها له السلطات.

نقود إضافية دون إنتاج موازٍ

من الناحية الاقتصادية، لا تعني زيادة الكتلة النقدية بالضرورة حدوث تضخم تلقائي، إذ يتوقف تأثيرها على حجم الإنتاج، وسرعة تداول النقود، ومستوى الطلب، وطبيعة السياسة النقدية والمالية المعتمدة.

لكن الإشكال في الحالة الجزائرية يتمثل في أن ضخ السيولة لم يواكبه توسع إنتاجي قادر على استيعابها. فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، ويستورد نسبة مرتفعة من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية، يجد نفسه أمام معادلة صعبة عندما ترتفع القدرة الشرائية الاسمية دون أن يرتفع العرض المحلي.

ويشرح الخبير الاقتصادي عبد الغني يومني هذه الآلية بالقول إن البنك المركزي يستطيع تمويل عجز الخزينة عبر اقتناء سندات الدولة أو منحها تسبيقات مالية، بما يؤدي إلى خلق سيولة جديدة ورفع حجم النقود المتداولة.

ويضيف أن هذه العملية قد تحفز الطلب الداخلي على المدى القصير، لكنها تصبح مصدراً للضغوط التضخمية عندما لا يقابلها ارتفاع في الإنتاج، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد لتلبية حاجيات السوق.

ويختلف هذا المسار عن التمويل التقليدي عبر الاقتراض السندي، الذي يقوم على تعبئة المدخرات المحلية والمؤسساتية مقابل التزامات مالية واضحة. أما التمويل النقدي المباشر، فيتيح للدولة الحصول على السيولة دون المرور بالآليات نفسها، لكنه ينقل جزءاً من التكلفة إلى قيمة العملة والأسعار إذا تجاوز الإصدار النقدي قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

وفي هذا السياق، يستحضر يومني تجارب اقتصادات كبرى لجأت إلى التيسير الكمي، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين، موضحاً أن المقارنة لا تستقيم بمجرد تشابه أداة الإصدار النقدي؛ إذ تختلف النتائج بحسب المؤسسات النقدية، وعمق الأسواق المالية، وحجم الإنتاج، وقدرة الاقتصاد على استيعاب السيولة.

فليس كل إصدار نقدي تضخماً بالضرورة، لكن ضخ الأموال في اقتصاد محدود الإنتاج، شديد الارتهان للواردات، يرفع مخاطر انتقال السيولة إلى الأسعار وسوق الصرف.

أثر كانتيون: من يستفيد من النقود الجديدة ومن يدفع ثمنها؟

تتجاوز آثار التمويل النقدي المؤشرات العامة للتضخم وسعر الصرف. فهناك جانب آخر يتعلق بكيفية توزيع المكاسب والخسائر داخل الاقتصاد، وهو ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ«أثر كانتيون».

وتقوم هذه النظرية على أن المستفيدين الأوائل من السيولة الجديدة يحصلون عليها قبل أن ترتفع الأسعار بصورة كاملة، بينما يصل تأثير التضخم لاحقاً إلى أصحاب الأجور الثابتة والمتقاعدين والفئات التي لا تملك أصولاً مالية أو عقارية تحمي مدخراتها من تراجع قيمة العملة.

وفي الحالة الجزائرية، يرى عبد الغني يومني أن هذا الأثر يصب في مصلحة الشركات القريبة من دوائر القرار، خصوصاً المستفيدة من الصفقات العمومية والامتيازات، إلى جانب مالكي الأصول، في حين تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط قسماً كبيراً من الخسائر.

ويشير الخبير إلى أن انهيار أسعار النفط، من مستويات قاربت 110 دولارات سنة 2013 إلى نحو 30 دولاراً سنة 2017، كشف هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد على المحروقات في تمويل الجزء الأكبر من موارده.

فبحسب تقديراته، تمثل المحروقات حوالي 98 بالمائة من إيرادات الصادرات و78 بالمائة من المداخيل الجبائية، الأمر الذي يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتقلبات الأسواق الدولية.

كما تراجعت احتياطيات الصرف من نحو 194 مليار دولار إلى 97.3 مليار دولار خلال أربع سنوات، بالتزامن مع تراجع قيمة الدينار واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية.

والنتيجة أن الدولة حافظت على قدرتها الاسمية على الإنفاق عبر خلق السيولة، لكنها لم تتمكن بالضرورة من حماية القوة الشرائية للمواطنين أو استعادة التوازنات الاقتصادية.

بنك الجزائر بين استقلالية السياسة النقدية ومتطلبات الخزينة

تطرح هذه السياسة سؤالاً مؤسساتياً يتعلق بطبيعة العلاقة بين البنك المركزي والسلطة التنفيذية. فاستقلالية البنوك المركزية ليست مجرد مسألة تقنية، بل شرط أساسي لضمان ألا تتحول السياسة النقدية إلى أداة لتغطية الاختلالات المالية للحكومات.

ويعتبر يومني أن استمرار التمويل المباشر للخزينة يضعف الحدود الفاصلة بين السياسة النقدية والسياسة المالية، ويجعل البنك المركزي أكثر ارتباطاً باحتياجات الإنفاق العمومي.

وتبرز خطورة هذا الوضع في حجم المستحقات المالية المتراكمة على الدولة لدى بنك الجزائر. فوفق الأرقام التي أوردها الخبير، بلغت هذه المستحقات 8217 مليار دينار، أي ما يعادل 19.1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

وفي المقابل، تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العام الجزائري قد يبلغ 53.2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2026. وبحسب قراءة يومني، فإن احتساب التمويلات والتسبيقات الممنوحة من البنك المركزي يبرز وزناً أكبر للالتزامات الداخلية مما توحي به الأرقام الإجمالية للدين العام وحدها.

ولا يمكن فهم هذه العلاقة بمعزل عن التاريخ المالي للجزائر. ففي ثمانينيات القرن الماضي، اعتمد الاقتصاد الموجه على تمويل المؤسسات العمومية من خلال شبكة بنكية تهيمن عليها الدولة. وخلال التسعينيات، تعثر مسار التحرير المالي وإصلاح النظام المصرفي، قبل أن تتيح الطفرة النفطية خلال العقدين التاليين تغطية الإنفاق العام دون الحاجة إلى توسع مماثل في الإصدار النقدي المباشر.

لكن تراجع الإيرادات النفطية أعاد الاختلالات إلى الواجهة، وأظهر أن الوفرة المالية لم تتحول إلى إصلاح مؤسساتي أو إنتاجي مستدام.

ميزانية تتوسع وعجز يتفاقم

تكشف مشاريع قوانين المالية المتعاقبة عن استمرار الضغوط على الميزانية الجزائرية. فبحسب الأرقام التي يستند إليها عبد الغني يومني، بلغ عجز قانون المالية لسنة 2026 نحو 5000 مليار دينار، أي ما يقارب 12 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

أما مشروع قانون المالية لسنة 2027، فيتوقع عجزاً يصل إلى 8600 مليار دينار، مع إيرادات في حدود 9251 مليار دينار، مقابل نفقات تتجاوز 17883 مليار دينار.

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة الدولة على تمويل التزاماتها في ظل استمرار الاعتماد على المحروقات، وضعف تنويع الصادرات، ومحدودية الموارد الجبائية خارج القطاع النفطي.

كما يثير الخبير مسألة الفارق بين تقديرات الناتج الداخلي الخام الجزائرية وتلك الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية، محذراً من أن تضخيم المؤشرات الاسمية لا يعالج الاختلالات الحقيقية في بنية الاقتصاد.

فارتفاع الناتج الداخلي الخام، إذا لم يصاحبه تحسن في الإنتاجية والصادرات وفرص العمل، لا يكفي لإثبات حدوث تحول اقتصادي فعلي.

الدينار والأسعار: الفاتورة التي تصل إلى الأسر

تظهر انعكاسات هذه الاختلالات بصورة مباشرة في قيمة الدينار والأسعار المحلية.

ويستند يومني إلى بيانات البنك الدولي للمقارنة بين الجزائر والمغرب خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 2025، مشيراً إلى أن متوسط التضخم في الجزائر بلغ 8.4 بالمائة، مقابل 4.13 بالمائة في المغرب، فيما وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 135.91 ديناراً جزائرياً، مقابل متوسط يقارب 9.77 دراهم مغربية.

وتحتاج هذه المقارنة إلى مراعاة اختلاف أنظمة الصرف والسياسات الاقتصادية وتطور الأسعار في البلدين، لكنها تبرز، بحسب الخبير، حجم الضغوط النقدية التي عرفها الاقتصاد الجزائري على امتداد العقود الماضية.

ولا يقتصر الأمر على السعر الرسمي للدينار، إذ يشكل الفارق بين سوق الصرف الرسمية والموازية مؤشراً إضافياً على اختلال التوازن بين العرض والطلب على العملة الأجنبية.

وتنعكس هذه الفجوة على كلفة الاستيراد وعلى أسعار السلع، كما تفتح المجال أمام المضاربة والاحتكار، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على المنتجات المستوردة.

ويرى يومني أن الاعتماد الكبير على الواردات، إلى جانب ضعف المنافسة وهيمنة مجموعات اقتصادية على بعض الأنشطة التجارية، يساهمان في تضخيم أثر التضخم المستورد والضغوط الداخلية.

وبذلك لا يتحمل المواطن فقط نتائج التوسع النقدي، بل يواجه أيضاً آثار ضعف الإنتاج المحلي واضطراب سوق الصرف ومحدودية المنافسة.

هل تتجه الجزائر نحو النموذج الفنزويلي؟

تستحضر بعض القراءات الاقتصادية التجربة الفنزويلية عند تحليل النموذج الجزائري، بالنظر إلى اعتماد البلدين على المحروقات وتمويل الإنفاق العام من العائدات النفطية.

غير أن عبد الغني يومني يحذر من المبالغة في المطابقة بين التجربتين، معتبراً أن الجزائر تمتلك مقومات واحتياطيات وبنى تحتية تختلف عن الوضع الفنزويلي، ولم تعرف حتى الآن انهياراً نقدياً أو تضخماً جامحاً بالمستوى الذي شهدته فنزويلا.

ومع ذلك، فإن أوجه التشابه تستحق الانتباه، خصوصاً في ما يتعلق بضعف التنويع الإنتاجي، واتساع الإنفاق العمومي، وتراجع دور القطاع الخاص، واستمرار الاعتماد على الدعم الحكومي.

وتشير التجربة الفنزويلية إلى أن امتلاك احتياطيات نفطية ضخمة لا يوفر وحده ضمانة للاستقرار الاقتصادي، إذا لم يقترن بإدارة رشيدة للموارد وسياسات إنتاجية قادرة على تقليص التبعية للخارج.

أما الجزائر، فما زالت تمتلك هامشاً لتجنب السيناريوهات الأكثر حدة، لكن ذلك يقتضي معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

إصلاحات مؤجلة رغم وضوح البدائل

لا تكمن المشكلة في غياب الحلول بقدر ما ترتبط بمدى استعداد السلطات لتحمل كلفة الإصلاح.

فأولويات المعالجة، وفق عبد الغني يومني، تبدأ بتقليص الاعتماد على الجباية النفطية، وتوسيع الوعاء الضريبي، ومراجعة الامتيازات الجبائية التي لا تحقق مردوداً اقتصادياً واضحاً.

كما يدعو إلى رقمنة الإدارة الضريبية، ومحاربة التهرب، واسترداد المتأخرات، وتحسين تحصيل الضرائب على الأنشطة الاقتصادية، بما يسمح بتوفير موارد أكثر استقراراً لتمويل الميزانية.

ويشدد الخبير على ضرورة توجيه الموارد المتاحة نحو قطاعات إنتاجية قابلة للتصدير، مثل الصناعات الغذائية والبتروكيماويات والأسمدة والصناعات التحويلية والخدمات الرقمية والطاقات المتجددة.

ويستحضر في هذا السياق التجربة النرويجية في إدارة العائدات النفطية، والتجربة الإماراتية في استثمار الموارد عبر الصناديق السيادية، إلى جانب التجربة المغربية في تطوير البنى التحتية المينائية والطرقية والسككية والمطارية، وربطها بصناعات السيارات والطيران والخدمات اللوجستية.

ولا تعني هذه المقارنات إمكانية استنساخ نماذج مختلفة في ظروفها ومؤسساتها، لكنها تبرز أن تحويل الثروة الطبيعية إلى تنمية مستدامة يتطلب استثماراً طويل الأمد، وإدارة مالية منضبطة، وسياسة صناعية واضحة.

ويضيف يومني أن إصلاح الدعم العمومي وترشيد النفقات يمثلان جزءاً من المعالجة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل، حيث تتحول كلفة الدعم إلى عبء متزايد على الميزانية عندما لا تكون موجهة بصورة دقيقة إلى الفئات المستحقة.

ثروة نفطية لم تتحول بعد إلى اقتصاد منتج

بعد عقود من الاستقلال وعائدات نفطية بمئات المليارات من الدولارات، لا يزال الاقتصاد الجزائري يواجه صعوبة في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وتوسيع الصادرات خارج قطاع المحروقات.

وتتزايد أهمية هذا التحدي مع النمو الديموغرافي واتساع فئة الشباب الباحثين عن العمل، في وقت لا تزال فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد مرتبطة بالإنفاق الحكومي والواردات.

ويرى عبد الغني يومني أن المطلوب لم يعد مجرد تحسين بعض المؤشرات المالية، بل صياغة نموذج تنموي يعيد توزيع الموارد نحو الاستثمار والإنتاج، ويمنح القطاع الخاص دوراً حقيقياً في خلق القيمة وفرص الشغل.

فالمشكلة لا تتعلق بندرة الموارد بقدر ما ترتبط بكيفية إدارتها وتوجيهها. والاقتصاد الذي يملك النفط والغاز والاحتياطيات المالية، لكنه يظل عاجزاً عن توفير بدائل إنتاجية، يظل معرضاً لتكرار الأزمة مع كل تراجع في أسعار الطاقة.

وفي هذا السياق، تبدو مصادقة البرلمان الجزائري المرتقبة يوم 16 نونبر على الميزانية محطة أخرى لاختبار قدرة السلطات على الخروج من دائرة التمويل النقدي المتكرر.

لقد حُددت مطبعة النقد سنة 2017 باعتبارها إجراء استثنائياً لخمس سنوات. وبعد مرور تسع سنوات، لم يعد السؤال متعلقاً بسبب اللجوء إليها في لحظة الأزمة، بل بسبب استمرارها رغم انكشاف كلفتها الاقتصادية والاجتماعية.

فحين تصبح طباعة النقود بديلاً عن الإصلاح، لا تختفي فاتورة العجز؛ إنها تنتقل من دفاتر الخزينة إلى أسعار المواد الأساسية، ومن حسابات البنك المركزي إلى مدخرات الأسر وأجور المواطنين.

وهنا تكمن المفارقة الجزائرية: دولة تمتلك موارد طبيعية كبيرة، لكنها ما زالت تبحث عن وسيلة مستدامة لتمويل اقتصادها دون أن تجعل المواطن الحلقة الأخيرة التي تسدد ثمن اختلالاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com