المحج الملكي بالدار البيضاء… حين تمشي الجرافة أسرع من البلاغ الرسمي

بوشعيب البازي

في الدار البيضاء، المدينة التي اعتادت أن تستيقظ كل صباح على مشروع جديد وحفرة جديدة ووعد جديد، يبدو أن “المحج الملكي” قرر أخيراً مغادرة أرشيف المخططات الصفراء والخرائط المغبرة، ليخرج إلى الواقع… ولكن بطريقته الخاصة: أولاً يهدم، ثم يشرح لاحقاً، وربما—إذا سمح جدول الأشغال—يتواصل مع المواطنين.

ففي محيط المدينة القديمة، حيث تختلط ذاكرة الحجر بصخب التجارة الشعبية وروائح التاريخ المتعب، بدأت الجرافات تتحرك بثقة من يعرف أكثر مما يقال للناس. منازل تختفي، جدران تتساقط، أزقة تفقد ملامحها بالتدريج، وسكان يراقبون المشهد بنفس النظرة التي يراقب بها المسافر شاشة مطار لا تعلن سوى كلمة واحدة: “المرجو الانتظار.”

مشروع “المحج الملكي”، الذي ظل لعقود حبيس الأدراج والدراسات والوعود المؤجلة، لم يعد مجرد حلم عمراني يتردد في ندوات المهندسين ومكاتب الوكالات الحضرية. المشروع اليوم يتحرك على الأرض، أو بالأحرى… فوق أنقاض ما كان قائماً.

الفكرة في ظاهرها تبدو نبيلة إلى حد يصعب الاعتراض عليه: محور عمراني ضخم يربط مسجد الحسن الثاني بقلب الدار البيضاء التاريخي، ويعيد رسم العلاقة بين المدينة القديمة والواجهة الأطلسية، في مشهد حضري يطمح إلى منح العاصمة الاقتصادية ملامح مدينة متوسطية كبرى. على الورق، يبدو الأمر أقرب إلى درس أنيق في التخطيط الحضري. أما على الأرض، فالأمر يشبه أحياناً رواية بوليسية تُكتب بالجرافات.

الهدم يتقدم. نزع الملكية يتوسع. الشقق البديلة تُحضّر. والبلاغات… ما زالت تحب التأمل.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام مشروع لإعادة تأهيل المدينة… أم لإعادة تعريف من يحق له البقاء داخلها؟

فالمدينة القديمة ليست مجرد بنايات متعبة تحتاج إلى ترميم، بل منظومة اجتماعية كاملة؛ ذاكرة جماعية تسكنها عائلات، حرفيون، تجار، ومئات القصص التي لم تدخل يوماً دفاتر المهندسين. وعندما تتحول هذه الذاكرة إلى “وعاء عقاري”، يصبح الفرق بين التنمية والاقتلاع مسألة لغة أكثر مما هو مسألة إسمنت.

المفارقة أن كل الأطراف تبدو مقتنعة بأنها تقوم بما يجب القيام به. السلطات ترى مشروعاً استراتيجياً يعيد الاعتبار لقلب المدينة. المستثمرون يرون فرصة عقارية لا تتكرر كثيراً في وسط الدار البيضاء. الخبراء يرون تصحيحاً لتشوهات عمرانية عمرها عقود. أما السكان… فهم غالباً آخر من يحصل على نسخة كاملة من السيناريو.

وفي المغرب، كما في كثير من المدن التي تطارد الحداثة بسرعة مضاعفة، لا تكون المشكلة دائماً في المشاريع الكبرى، بل في تلك المسافة الصامتة بين “ما يُنجز” و“ما يُشرح”. تلك المنطقة الرمادية التي تجعل المواطن يسمع صوت الجرافة قبل أن يقرأ تفاصيل التعويض، ويرى الغبار قبل أن يرى المخطط.

المحج الملكي إذن ليس مجرد مشروع عمراني. إنه اختبار سياسي واجتماعي وثقافي بقدر ما هو هندسي. اختبار لقدرة المدينة على أن تتجدد دون أن تمحو ذاكرتها، وأن تتوسع دون أن تضيق على سكانها، وأن تبني المستقبل دون أن تعامل الماضي كعقار غير مستغل.

وفي انتظار اكتمال الصورة، يبقى السؤال معلقاً فوق أنقاض بعض الجدران القديمة: هل تبني الدار البيضاء واجهتها الجديدة… أم تعيد فقط ترتيب من يحق له الظهور فيها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com