بروكسل – أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، في خطوة تصعيدية جديدة تُنذر بتوسيع دائرة المواجهة في المنطقة، بالتزامن مع حديثه عن محاولات إيرانية لاستئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق جديد.
ويشمل القرار الأميركي كامل الساحل الإيراني، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، مستهدفاً السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، في مسعى واضح لخنق الاقتصاد الإيراني وتشديد الضغط على طهران.
ويأتي هذا الإجراء رداً على استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز أمام الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة الدولية. ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تراهن على الحصار لإجبار إيران على القبول بشروط جديدة، في مقدمتها إنهاء برنامجها النووي.
وخلال مؤتمر صحافي، قال ترامب إن إيران لم تقدم تعهداً واضحاً بعدم امتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن الولايات المتحدة “ستحصل على المواد النووية” بطريقة أو بأخرى. كما أشار إلى ما وصفه بـ”اختراق” حدث خلال الساعات الماضية، بعدما تواصل “أشخاص مناسبون” من الجانب الإيراني لعقد اتفاق.
وأضاف الرئيس الأميركي أنه الرئيس الوحيد الذي واجه إيران بحزم، مشدداً على أن القوات الأميركية ستستهدف أي سفينة تحاول كسر الحصار، مؤكداً أن عدداً من الدول أبدى استعداداً للمشاركة في العملية البحرية.
وفي وقت سابق، حذر ترامب من أن أي “سفن هجومية سريعة” تابعة لإيران تقترب من نطاق الحصار سيتم تدميرها فوراً، في إشارة إلى الزوارق السريعة التي يعتمد عليها الحرس الثوري في الخليج.
كما أوضح أن القطع البحرية الإيرانية الكبرى “تم تدميرها”، مضيفاً أن القوات الأميركية ستعتمد تكتيكات مشابهة لتلك التي استخدمتها سابقاً ضد قوارب تهريب المخدرات قبالة فنزويلا.
طهران: الحصار قرصنة بحرية
في المقابل، اعتبرت القوات المسلحة الإيرانية أن الحصار الأميركي “غير شرعي” ويرقى إلى مستوى “القرصنة”، محذّرة من أن الموانئ الخليجية لن تكون بمنأى عن التداعيات إذا تعرضت الموانئ الإيرانية للخطر.
ويرى مركز “صوفان” للأبحاث في نيويورك أن الهدف الأساسي من الحصار يتمثل في حرمان إيران من عائدات صادراتها النفطية، ودفع كبار مستوردي النفط الإيراني، وفي مقدمتهم الصين، إلى الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز.
الأسواق تتفاعل والنفط فوق 100 دولار
وأدت التطورات الأخيرة إلى عودة التوتر للأسواق العالمية، حيث تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار مجدداً، بعد فترة هدوء نسبي رافقت وقف إطلاق النار المؤقت المعلن سابقاً.
وتعتمد عدة اقتصادات كبرى، وعلى رأسها الصين، بشكل كبير على نفط الخليج، ما يفسر دعوة بكين إلى عدم تعطيل الملاحة في المضيق الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز المسال عالمياً.
مواقف دولية متباينة
دولياً، دعا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى إعادة فتح المضيق “في أقرب وقت”، بينما شددت قطر على ضرورة عدم استخدام حرية الملاحة كورقة ضغط سياسية، محذرة من انعكاسات ذلك على أمن الطاقة والغذاء العالمي.
من جهته، أكد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز أنه لا يحق لأي دولة إغلاق مضيق هرمز أمام حركة النقل البحري.
كما واجه القرار الأميركي انتقادات حتى من بعض الحلفاء الغربيين. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن لندن لا تدعم الحصار، مؤكداً رفض بلاده الانجرار إلى الحرب، فيما حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد على أوروبا، ووصفت مدريد الخطوة بأنها “بلا جدوى”.
وفي المقابل، أعلنت فرنسا وبريطانيا أنهما تدرسان إنشاء بعثة متعددة الجنسيات للمساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، مع التأكيد على أن طبيعة المهمة ستكون سلمية.
مفاوضات متعثرة رغم بقاء الهدنة
التصعيد البحري جاء بعد فشل جولة مفاوضات استمرت أكثر من عشرين ساعة في إسلام آباد بين واشنطن وطهران، ما أثار مخاوف من انهيار وقف إطلاق النار المؤقت الساري حتى 22 أبريل.
ورغم ذلك، أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف استمرار الجهود الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر، مشيراً إلى أن الهدنة لا تزال صامدة حتى الآن.
كما نقلت مصادر أميركية وإقليمية أن تركيا وباكستان ومصر ستواصل جهود الوساطة، بينما أعلنت روسيا استعدادها لتسلّم اليورانيوم الإيراني المخصب ضمن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة.
وفيما حمّل ترامب طهران مسؤولية فشل المحادثات بسبب تمسكها ببرنامجها النووي، قالت إيران إنها كانت “على بعد خطوات قليلة” من التوصل إلى اتفاق، متهمة الجانب الأميركي بتغيير شروط التفاوض في اللحظات الأخيرة.
وبين التصعيد العسكري ومساعي الوساطة، تبقى المنطقة معلقة على خيط رفيع، في انتظار ما إذا كانت لغة القوة ستتراجع أمام منطق التسوية، أم أن الخليج مقبل على مرحلة أكثر اضطراباً.